قصص القران 2- الحلقة السابعة والعشرون
قصص القران 2- الحلقة السادسة والعشرون
( الحلقة السادسة والعشرون )
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أهلا ومرحبًا بكم.
نستكمل معًا الحديث عن مجموعة أخرى من القيم للنصف الثاني من مسيرة سيدنا موسى عليه السلام، وهي عبارة عن سبعة قيم أخرى يعلمنا إياها هذا النبي العظيم.
القيمة الأولى: حُب الله
هذه القيمة تتجلى عندما كلم الله تبارك وتعالى سيدنا موسى عليه السلام في جبل الطور، فيقول له: يا رب دُلني على أدنى أهل الجنة منزلة، فقال له الله تبارك وتعالى: يا موسى أدنى أهل الجنة منزلة ذلك آخر رجل يخرج من النار، فيخرج من النار ويريد أن يدخل الجنة حبوًا، كلما أراد أن يخرج منها أعيد فيها، حتى يخرج منها في النهاية ويقول الحمد لله الذي نجاني منكِ، فيقول له الله تبارك وتعالى: اذهب فادخل الجنة، فيذهب فينظر فيُخيل إليه أنها ملأى، فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول له الله: أما ترضى أن يكون لك ملك مثل أعظم مَلك من ملوك الدنيا؟ فيقول الرجل: يارب أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟! فيقول له الله تبارك وتعالى: لك مثل أعظم مَلك من ملوك الدنيا ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فيقول العبد: رضيت يا رب، رضيت يا رب، فيقول له الله تبارك وتعالى: لك مثل أعظم مَلك من ملوك الدنيا وعشرة أمثاله ولك فيها ما اشتهت نفسُكَ، وتمنت عينُك وأنت فيها خالد. فقال موسى عليه السلام: يارب أذلك أدناهم منزلة..؟! فقال له الله: نعم يا موسى، فقال موسى عليه السلام: يارب فمن أعلاهم منزلة..؟! فقال له الله: أولئك الذين أردت، زرعتُ كرامتهم بيدي، فلا تدري عين ولا تسمع أذن ولا يخطر على قلب بشر ماذا أريد أن أعطيهم.
القيمة الثانية: لا تُهن نفسك
هذه القيمة رأيناها في قصة موسى عليه السلام مع السامري عندما عاد من ميقات ربه فوجد بني إسرائيل قد عبدوا العجل، فالدرس المستفاد هنا هو أنه مهما حدث لا تُهن نفسك أو تذِلها لمعصية، ولا تهن وتذِل أولادك، ولا تدع للشيطان مجالا ليقودك إلى المعاصي ويوجهك كيفما شاء، أو تُهن نفسك لعادة من العادات السيئة، أو تذِل نفسك لإنسان كائنًا ما كان، فالذُل يشوه النفوس بل هو أسوء من التشوهات التي قد تُصيب الوجه إثر حرقٍ أو حادثٍ. فعندما حرق موسى عليه السلام العجل إنما أراد بذلك أن يحرك بداخلهم معنى (لا للذل)، لأن النفس الذليلة لا يوجد من يحترمها في هذا الكون على الإطلاق.
وفي إطار أحداث قصة موسى عليه السلام والسامري ذهب السامري إلى بني إسرائيل وقال لهم: أرأيتم الحُلي التي أتيتم بها من مصر..؟ لن يأتي إليكم موسى إلا بعد أن تلقوها في البحر، فألقاها بنو إسرائيل وأخذها السامري، ولكنه أخذها ليس ليسرقها ولكن ليبني بها عِجلا من ذهب، وقد بنى لهم بالفعل عِجلاً يشبه العجل إيبيس، وفتح له فتحة من فمه وأخرى من مؤخرته ثم وضعه بشكل معين في اتجاه الريح بحيث يدخل الهواء من فمه فيُحدث صوتًا من مؤخرته، وقد استغل السامري ارتباط بني إسرائيل بالعجل إيبيس فصنع لهم مثله ليضلهم، ثم قال لهم: هذا إلهكم وإله موسى، فعبدوه، ولكن الله لم يدع السامري حتى أنزل عليه العقوبات.
1. وكانت العقوبة الأولى هي نفي السامري وطرده.. قال تعالى: {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ..} طه97.
2. العقوبة الثانية هي حرق العجل.. قال تعالى: {..وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} طه97، وتُنفَذ أوامر سيدنا موسى عليه السلام ويُحرق العجل ويُنسف في اليم نسفًا.
القيمة الثالثة: حُب المسجد الأقصى
رفض بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة، فقال لهم رب العالمين: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ..} المائدة26، وغدت أمة مُحمَّد صلى الله عليه وسلم هي المسئولة عن المسجد الأقصى وهي المسئولة أيضًا عن القدس، فهذه قيمة غالية علينا أن نربى أنفسنا وأبناءنا على حبها.
عندما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا بالأنبياء في المسجد الأقصى لم يكن الأمر عبثًا بل كان إشارة إلى معنى عظيم. وكان خلفه سيدنا موسى عليه السلام مأمومًا وراءه صلى الله عليه وسلم، وكان خلفه أيضًا سيدنا عيسى عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام، ونوح عليه السلام، وآدمَ عليه السلام، وكأن المعنى العظيم هو تسليم الأنبياء الراية للنبي صلى الله عليه وسلم لتحمل مسئولية المسجد الأقصى هو وأمته من بعده، فالمسجد الأقصى هو بمثابة –ترمومتر- الإيمان للأرض ولقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ولسوف نُسأل عنه يوم القيامة.
القيمة الرابعة: حلمُ الله على عباده
وبالرغم من ظلم بني إسرائيل وجحودهم بنِعم الله، فقد كان الله تبارك وتعالى يربيهم أحيانًا بالشدة وأحيانًا بالرحمة، وقد تجلت رحمة الله وحلمه على بني إسرائيل عندما ضرب سيدنا موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا.. قال تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ..}البقرة60، وهنا نرى رحمة الله وحلمه البالغ على عباده مهما عصوه، فعلينا أن نحب الله من كل قلوبنا كما علمنا ذلك رسول الله، فقد كانت أولى كلماته صلى الله عليه وسلم حينما دخل المدينة: (أيها الناس أحبوا الله من كل قلوبكم، أحبوا الله لِما يغذوكم به من النِعم).
القيمة الخامسة: لا للمادية ولا للجدل ولا للماطلة
ذُكرت حادثة البقرة في سورة البقرة التي سميت باسمها وهي من أطول سور القرآن الكريم، وهذه القصة لا تحتوي على قيمة واحدة فحسب بل عشرات القيم منها:
· لا للمادية.
· لا للجدال.
· لا للمماطلة.
ولأن سورة البقرة كلها قيم بسبب قصة البقرة التي جسدت الكثير من المعاني، والكثير من الأخطاء التي وقع فيها بنو إسرائيل، فكان المعنى الأساسي والرئيسي هو التحذير من الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعوا فيها.
القيمة السادسة: قيمة العلم
ليست هناك نهضة بدون علم، وليس العلم المقصود به أُناس يتعلمون للحصول على الشهادات فحسب بل أُناس يعشقون العلم، يقرأون ويتعلمون لكي ينجحوا في الحياة. وتتجلى هذه القيمة في قصة موسى والخضر عليهما السلام، فكان لدى سيدنا موسى عليه السلام إصرارًا كبيرًا لتعلم العِلم على يد الخضر عليه السلام، وكانت لديه رغبة شديدة في طلب العلم مهما كلفه ذلك من عناء ومشاق، فكان يقول: {..أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً}الكهف60، أرأيتم كيف كان شغفه وتعلقه عليه السلام بطلب العلم وحرصه على مقابلة الخضر عليه السلام؟
القيمة السابعة: صلة الأرحام
ولقد تجلت صلة الأرحام في قصة موسى عليه السلام في العلاقة التي جمعت بينه وبين أخيه هارون عليهما السلام، فقد كان سيدنا هارون صاحب رسالة، مخلصًا بشدة لأخيه موسى عليه السلام وسندًا له، كما كان يمتلك نفسًا صافيةً إلى أبعد الحدود.
قصص القران 2- الحلقة الخامسة والعشرون
( الحلقة الخامسة والعشرون )
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سنستعرض اليوم النصف الأول من حياة سيدنا موسى عليه السلام منذ مولده وحتى معجزة انشقاق البحر، وكذلك سنستعرض القيم الأساسية والتي سبق تناولها.
القيمة الأولى: التوكل على الله
أتذكرون مولد موسى عليه السلام؟ أتذكرون أمه عندما ألقته في النيل؟ وكانت القيمة آنذاك هي التوكل على الله، ومعادلة التوكل كانت هي أن تفعل كل ما بوسعك بالإضافة إلى التوكل على الله سيساوي ذلك نصرة وحماية وحفظ ورعاية كما في قصة سيدنا موسى عليه السلام في قوله تعالى: [وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ] {القصص:7} وفي نهاية قصة سيدنا موسى كل وعود الله تبارك وتعالى تحققت، كما رأينا أنك كلما توكلت على الله وفعلت كل ما بوسعك فثق أن وعود الله تبارك وتعالى لا يمكن أن تتبدل، كما في قوله تعالى: [... إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ]، أتذكر أم موسى عندما ألقته في اليم، لعلها في هذه اللحظة دعت على فرعون، ومن الممكن أن تكون هذه الدعوة سبب هلاك فرعون في البحر، لأنه بأفعاله أجبرها على أن تلقي بولدها في اليم كي تنجيه من بطشه، ومن الممكن أنها كانت تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. كيف أخذت خطوة إلقاء ولدها في اليم؟! وكيف كان توكلها وهي تراه يبعد عن عينيها؟! كانت تردد وعد الله تبارك وتعالى [... إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ]، لقد أصبح موسى عليه السلام بمجرد إلقائه في اليم في معية الله، وجنود الله تعالى جميعهم تحميه بأمر من الله تبارك وتعالى، يقول تعالى:[... وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ...] {المدَّثر:31}.
القيمة الثانية: نصرة الضعيف
أتذكرون عندما ذهب سيدنا موسى عليه السلام إلى مدين؟ وكيف أنه سقى للفتاتين رغم تعبه وإجهاده من سيره على قدميه لمدة ثمانية أيام؟ أتذكرون كيف أن نعله وجلد قدميه قد سقطا؟ أتذكرون نصرته للمظلومين؟
من الممكن أن ينظر بعض الناس إلى أن سقاية موسى عليه السلام للفتاتين أمر هين، ولكنها عند الله عظيمة؛ لأن من يقف بجانب الضعفاء في الأشياء البسيطة يكن الله تبارك وتعالى في عونه في الأشياء الكبيرة، والله تبارك وتعالى يضع الإنسان في تجارب عديدة عدة مرات، فإن استمر على نصرة الضعفاء والمظلومين يعطه الله التكليف الكبير والمنزله الكبيرة. وسبب ثبات ونصرة نبي الله موسى عليه السلام في أصعب تجربة لمواجهة الظلم كان بسبب مواقف صغيرة مثل نصرة الضعفاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن يمشي أحدكم في حاجه أخية خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا أربعين يومًا). معنى ذلك أنك إذا قمت بعمل مشروع صغير لأسرة في قريتك الفقيرة خير لك من الاعتكاف في المسجد النبوي في العشر الأواخر. وإلى كل من تعتريه المصائب يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من فرج على مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة). إذا كان لديك مصيبة أو هم أو حزن وساعدت مسكينًا أو ضعيفًا أو أرملة أو جارًا لك أو أحدًا من عائلتك فقيرًا يحتاج إلى المساعدة ووقفت بجانبه سترى الله سبحانه وتعالى ماذا سيصنع معك، كان أحد الصحابة رضوان الله عليهم إذا لم يطرق على بابه ضعيف أو فقير يقول: هذه مصيبة لذنب أذنبته. تُرى كم ذنب أذنبناه نحن؟ إذا لم تجد أحدًا من الفقراء يطرق بابك أو ضعيفًا تذهب إليه وتقوم بمساعدته فاعلم أنك محروم وأن ذنوبك كثيرة.
القيمة الثالثة: كن مرنًا مع ظروف الحياة
أتذكرون كيف عمِل سيدنا موسى برعى غنم لمدة عشر سنوات بعدما كان الأمير الذي ترعرع في القصور؟ هذه في حد ذاتها قيمة للحياة أو المرونة مع ظروف الحياة، وقوله تعالى: [... اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ...] {الأنفال:24}، ليست فقط قيم الإيمان أو العبادة، ولكن قيم النجاح في الحياة أيضًا، ومن إعجاز القرآن أنه لا يصلح آخرتك فقط ولكن دنياك أيضًا.
وهذه القيمة الرائعة هي كيف أن تكون مرنًا مع ظروف الحياة، وكيف أن سيدنا موسى عليه السلام علم أن هذا هو وضعه الجديد، وأنه لابد أن يتعامل معه، ولم يأب العمل في رعي الغنم، وأريد أن أوجه رسالة للشباب الذي يبحث عن العمل ولا يجده، أقول له: تعلم من سيدنا موسى، وتعلم هذه القيمة الكبيرة، وكن مرنًا مع ظروف الحياة.
رعى سيدنا موسى الغنم قرابة العشر سنوات، هل تدرون لم اختار الله سبحانه وتعالى هذه المهنة لسيدنا موسى؟ قال صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبيًا إلا ورعى الغنم)، قال الصحابة: حتى أنت يا رسول الله؟ فأجابهم عليه الصلاة والسلام بأنه كان يرعى الغنم بمكة، إنها لمهنة تساعد على تعلم الصبر، وهو المطلوب حتى يصبر على بني إسرائيل، كذلك هي مهنة تُعلم الحلم وعدم العجلة، ولقد كان سيدنا موسى عليه السلام آنذاك عجولًا، فكان لابد من معالجة تلك العجلة كي يكون من الأنبياء وأولي العزم من الرسل الصابرين، وتتعالج هذه العجلة برعي الغنم عشر سنوات، ويتعلم الحلم والصبر والتفكر، ومن هنا تظهر عصاه التي سيصنع بها الله معجزات عظيمة، وسيدنا موسى عندما صبر على العصا من أجل الغنم جعل الله له هذه العصا بصبره وإخلاصه سببًا في عزة كبيرة ونصرة كبيرة، تريد أن تكون شيئًا كبيرًا عند الله عز وجل أرني كيف يكون الصبر عندك هل ستتحمل أم لا؟ يا جماعة، اصبروا عندما يعرضكم الله تعالى لاختبار، اصبروا، وسترون كيف أنه سيرفعكم كما رفع موسى عليه السلام، سيدنا موسى الآن في السماء السادسة هل ترون منزلته؟
القيمة الرابعة: تحرك واعمل حتى يختارك الله
أتذكرون سيدنا موسى عندما وصل إلى جبل الطور بعد خروجه من مدين في طريقه إلى مصر؟ أتذكرون لحظة اختياره [وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى] {طه:13}؟ كل واحد منا في مجاله عليه أن ينظر كيف يمكن أن يعمل من أجل الله، وإن أعظم عمل هو أن تذكر الناس بالله وتعرفهم به وتدعوهم إليه، لقد استخدم الله سبحانه وتعالى سيدنا موسى لنصرة المظلومين وتحريرهم من الظلم، يتوهم الناس أن أوربا هي من ابتدعت الحرية، وأنها أول من تحدث عنها، بل ويتشدق العالم الآن بالحرية، ويقولون: إن المسلمين لا يعلمون شيئًا عن الحرية، وهذا غير صحيح، فها هو ذا نبي قد أرسل من أجل الحرية، وها هو ذا قرآننا يتحدث عن الحرية.
لقد زود الله تعالى سيدنا موسى بمعجزتين هما: العصا واليد، فالله تعالى لا يرسل معجزة إلا وتكون مناسبة للعصر الذي جاء فيه النبي، فلا يكفي أن يكون معك الحق، ولكن لا بد وأن تعرض هذا الحق بطريقة مؤثرة ومناسبة لمن حولك. فالأشرار يجيدون عرض الحق بشكل مزين لأنه باطل، لكن الأخيار لا يعرفون كيف يعرضون هذا الحق بشكل جذاب عصري مناسب لعصرهم. ففي عصر سيدنا موسى كانوا يشتهرون بالسحر فبعث الله لهم معجزة ربانية تتحدى هذا السحر، ورسالة إلى فرعون لكي يفيق من طغيانه وضلاله، وليعلم أن موسى عليه السلام نبيًا مرسلًا من الله.
أما العصا ففيها أمر خطير، فكل دولة من الدول عندها رمز تضعه في العلم التابع لها، مثال على ذلك إنجلترا، الأسد رمزها، وتجده في علم بلادهم. أما فرعون فكان رمزه الثعبان، وكان هذا الرمز موجودًا على قصر رمسيس الثاني، ليس هذا فقط بل إن الثعبان كان أحد الآلهة التي كان يعبدها فرعون، فرمز قوته هو الذي سيلتهمه، سر العصا ليس أنها انقلبت إلى ثعبان لكنها مناسبة لهذا العصر، فهي بذلك وسيلة مشوقة عصرية جذابة، وفيها منتهى التحدي لفرعون، فهي لابد وأن تهز فرعون؛ فموسى جرى عندما رأى العصا تنقلب إلى حية فكيف بفرعون؟
وأما معجزة اليد فلم ترمز؟ برع الفراعنة في التحنيط، حيث كانوا يعالجون جسد الميت كيميائيًا بطريقة تجعله في شكل مختلف ولمدة طويلة، وكان فرعون ينفق أموالًا طائلة على التحنيط، وكان علماء التحنيط من أغنى الناس في تلك الأيام، وهنا سيتحدى سيدنا موسى فرعون بآية من الله ليد من جسد حي بدون معالجة كيميائية، وكأن الرسالة أن أفق يا فرعون، فهذا نبي الله، وهذه آية من عند الله.
القيمة الخامسة: الموازنة بين الشجاعة والحكمة
أتذكرون المواجهه بين فرعون وسيدنا موسى؟ وكيف أن الشجاعة وحدها لا تكفي، وأنه لابد من أن يكون معها حكمة وأدب ومعاملة الناس برفق [فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا...] {طه:44}.
لقد قرر موسى عليه السلام أن يعرض المعجزات التي أيده بها الله على فرعون والحاضرين، وذلك حين هدده فرعون بالسجن، فأراد موسى أن يريه ما يجعله عاجزًا حتى عن سجنه، وقد نجح في إرباكه، فرد فرعون عليه، وقد ملأه الفضول قائلًا: [قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] {الشعراء:31}، وما إن قالها حتى نفذ موسى: [فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ] {الشعراء:32}، فلنتخيل صوت العصا وهي تُلقى على أرض قصر فرعون ثم تتحول إلى ثعبان عظيم، وهو الحادث ذاته الذي أخاف سيدنا موسى وأربكه عند جبل الطور، ويمكننا هنا أن نتخيل الفزع الذي أصاب فرعون من جراء رؤيته لهذا الثعبان الذي وصفه القرآن بأنه مبين، ربما تصبب عرقًا، وانكمش في كرسي عرشه. ولم يمهله موسى بل استمر: [وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ] {الشعراء:33}، فرغم شدة معجزة الثعبان إلا أن اليد البيضاء تحمل معنى السلام، فيستكمل بها اللين الذي بدأ به، وبدأ الناس من حول فرعون يتأثرون، فقال فرعون: [قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ...] {الشعراء: 34-35}، بدأ فرعون يبث في الناس فكرة الفتنة الطائفية؛ مدعيًا أنها هي أصل ما جاء به موسى عليه السلام، بل وأراد أن يبدو في صورة المشاور الذي يستمع إلى الآراء الأخرى؛ فيستكمل قائلاً: [... فَمَاذَا تَأْمُرُونَ] {الشعراء:35}، فرد الملأ من حوله ردًا قد يبدو مؤيدًا لفرعون، إلا أنه في جوهره ليس مؤيدًا له، فجاء الرد: [قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ] {الشعراء:36-37}، وانتهى اللقاء على ذلك بفوز سيدنا موسى عليه السلام.
القيمة السادسة: عش للحق ينصرك الله الحق
أتذكرون يوم الزينة ومواجهه سيدنا موسى للسحرة؟ قيمتنا كانت عن الحق، إياك أن تضع مصلحتك في كفة والحق في كفة أخرى ثم ترجح كفة مصلحتك على كفة الحق، لقد قامت السموات والأرض على الحق، الله سبحانه وتعالى اسمه الحق، يقول تعالى [بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ...] {الأنبياء:18}، وأيضًا [وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا] {الإسراء:81}، ترى من الذي يقذف بالحق؟ إنه الله، فالباطل سينتهي مهما طال ولكن عندما يأتي الحق، فإن لم يأت فسيأتي باطل آخر.
أتذكرون يوم أسلم السحرة لرب العالمين؟ لقد أمر فرعون جنوده بالتحرك وتقييد السحرة، وأمر أن يحل عليهم العقاب، فقام بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبوا في جذوع النخل، وقتلوا أمام الناس، ومن يدري ربما بكت آسيا أمام ماتشاهد، وربما يكون ما حل عليهم من عقاب سببًا في زيادة إيمان الحضور، ولعل جبريل جاء إلى سيدنا موسى قائلاً له: ألم أقل لك يا موسى، هم عندكم من الضحى إلى العصر وفي الجنة بعد العصر؟!
فرعون، يا له من مجرمٍ! يقتل عشرة آلافٍ من أعوانه في يوم، خلال لحظات! ويهدد كل الحاضرين بأن من سيؤمن سيناله ذات العقاب، مات السحرة، وقد يتساءل البعض: لِم لم يحم الله السحرة كما حمى موسى؟ والإجابة: بأن موسى رمز، سيكمل الرسالة، ولابد من موت السحرة؛ ليعلم الناس أن الحق غالٍ لا يقبل المساومة، وإن كان ذلك على حساب رزقك، أو حتى حياتك، فلابد وأن يضحي أحد من أجله.
من وجهة نظرك من انتصر؟ فرعون أم السحرة؟ أنا أقول السحرة؛ لأنهم هم الذين فرضوا فكرتهم وانتصروا لها، وأخضعوا الآخر لإرادتهم، وهزوا الناس، وماتوا، لكن فكرتهم انتصرت، أما فرعون فقد غرق في نهاية الأمر، وبقيت فكرة السحرة، من صاحب الجنة ومن صاحب النار؟ الحق أم الباطل؟ إن السحرة هم المنتصرون.
القيمة السابعة: استشعر عظمة وقدرة الله
قل لله: يا عظيم، قل له: يا قوي، قل له: الكون كله ملكك، قل له: أنت القادر المهيمن على كل صغيرة وكبيرة في الكون، [وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] {الأنعام:59}، من الملك؟ [وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ ...] {الأنعام:91}، املأ قلبك بهذه القيمة الكبيرة، وهي عظمة وقدرة الله عز وجل، مم تخاف في الدنيا لو أنك تعلم أنه العظيم القوي؟ لقد تعودنا على معجزة انشقاق البحر من كثرة الاستماع للقصة ونحن أطفال حتى كبرنا، ولكنها معجزة غالية جدًا، منها نعرف كيف ينجي الله عباده المؤمنين وكيف يكون انتقامه من الظالم.
تقول الآية: [فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ] {الشعراء:61}، تراءى الجمعان تعني أنهم لم يسمعوا أصوات بعضهم بعضًا في البداية، أو يستشعروا قرب أحد، بل فجأة رأوا بعضهم بعضًا، تخيل هؤلاء عُزَّل من السلاح، معهم أطفالهم ونساؤهم، سيبادون ويقتلون جميعًا، فقال أصحاب موسى “إِنَّا لَمُدْرَكُونَ”، فليس أمامهم سوى البحر من جهة وفرعون وجنوده من الجهة الأخرى، فتخيل يأسهم في هذه اللحظة، وتخيل ضعفاء النفوس منهم وهم يلومون سيدنا موسى وإلى ماذا أوصلهم، فيرد سيدنا موسى بكلمة كلها استشعار لعظمة وقوة الله سبحانه وتعالى: [قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ] {الشعراء:62}، كلمة وأنت تقرأها تحب جدًا سيدنا موسى، قوي جدًا، عظيم جدًا، شجاع جدًا، وما هذه الثقة في الله، والتوكل على الله، ومدى شعوره بقوة ربنا، ما فرعون؟ وما الجنود؟ وما السيوف؟ وما الرماح؟ وما الفرسان؟ إن معي ربي، يقولها بمنتهى الثقة وهو لا يعلم كيف سينجو، ولا يعلم أن العصا ستشق البحر، فقط عرف أنها تتحول لأفعى بأمر الله، ولم يكن يعلم أنها ستلتقط حبال السحرة إلا عندما أخبره الله، أما ما يراه أمامه في هذه اللحظة فهو الواقع المادي الحقيقي أمام عينيه هو وبنو إسرائيل، وهو أن البحر أمامهم، وأن فرعون آخذ في الاقتراب منهم، وهو لا يعلم كيف النجاة، الشيء الوحيد الذي هو متأكد منه هو أن ربنا قوي، ” إِنَّ مَعِيَ رَبِّي“، أتستطيع أن تقولها بهذا الإحساس؟ أتستطيع أن تحيا بها مهما كانت الدنيا صعبة، وليس فقط مع من ظلمك، ولكن في حياتك كلها تكون مع الله لا تخشى شيئًا، وتحيا بإحساس “ربي لن يضيعني”.
ويشرح القرآن كيف جاء نصر الله: [فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ] {الشعراء:63}. تخيل عظمة وقدرة الله في كلمة “فَانفَلَقَ“، والطود تعني الجبل، أى أن البحر انقسم فأصبح كوادي بين جبلين، من منا يتخيل أن يتحول بحر إلى وادي بين جبال في لحظة واحدة. [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] {يس:82}، فأمر الله بين الكاف والنون، والبحر جندي من جنود الله، فلنعدد معًا جنود الله في قصة سيدنا موسى منذ بدايتها وحتى هذه اللحظة:
· البحر جندي.
· النيل الذي حمل صندوق الرضيع موسى فحفظه جندي.
· المحبة التي قذفها الله في قلوب من يقابل سيدنا موسى- فمن لقيه يحبه- جندي، يقول تعالى: [... وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي...] {طه:39}.
· تيار النيل الذي حمل صندوق موسى إلى بيت فرعون جندي.
· شفاه سيدنا موسى التي لم تقبل المرضعات جندي.
· قاع البحر الذي سيسيرون عليه، ومشيهم بين الشعب المرجانية.
كل هذه المخلوقات من جنود الله، فالله سبحانه وتعالى لم يفتح لهم البحر ليعبروا عليه تاركه بحالته المائية وإلا لخافوا العبور بين جنبيه، ولكنه برحمته بهم سبحانه حول البحر من ماء إلى جبل، فمن الملك؟ من العظيم؟ من القوي؟ من مالك الملك؟
سبعة مشاهد وسبع قيم وسبعة معان كبيرة، وبهذا نكون قد لخصنا النصف الأول من حياة سيدنا موسى من المولد وحتى نجاته من فرعون وتحرير بني إسرائيل، والقيم مرة أخرى هي:
1- التوكل على الله.
2- نصرة الضعيف.
3- كن مرنًا مع ظروف الحياة.
4- تحرك واعمل حتى يختارك الله.
5- التوازن بين الشجاعة والحكمة.
6- عش للحق ينصرك الله الحق.
7- استشعر عظمة وقدرة الله.
قصص القران 2- الحلقة الرابعة والعشرون
( الحلقة الرابعة والعشرون)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأيام تمر ونحن نقترب الآن من نهاية رمضان، يارب نكون قد أدركنا ليلة القدر، يارب يكون قد تقبلنا الله. رمضان شهر غالٍ جدا، لا تتهاون بالأيام القليلة القادمة فمن المحتمل أن يعتقك الله في هذه الأيام القليلة القادمة، من المحتمل أن الله يريد منك التذلل والخضوع والإلحاح في الدعاء ويعتقك في آخر ليلة من ليالي رمضان فلا تمل، إن بابًا يُطرق بشدة لابد وأن يُفتح، فاطرق على الأبواب. سيقوم رمضان بإمدادك بقوةٍ للعام القادم فيجب أن تأخذ الطاقة والقوة للعام القادم، فيجب أن تزيد أكثر وأكثر من قراءة القرآن والدعاء فنحن نحتاج طاقة رمضان لكي تعيننا على العام القادم فإن رمضان محورٌ ومركزٌ وحدثٌ كبير، كان الصحابة يدعون لمدة ستة أشهر: “اللهم بلغنا رمضان” وبعد رمضان يدعون ويقولون “اللهم تقبل منا رمضان”، فلا تضيعه ولا يفوت منك منه ولو آخر ثانية.
القيمةالأولى: صلة الأرحام بين الأخوات
إن صلة الأرحام تعني عندنا الأعمام والأخوال والعمات والخالات دون أن نتذكر أنها تشمل أيضًا علاقة الأخوّة، بل إن الأخوّة أصلٌ من أصول صلة الرحم فهناك بعض الإخوة يعيشون في بيتٍ واحد ولكن لا أحد يشعر بالآخر، كان هناك شابًا عمره 18 عامًا قد مات أخوه في حادث سيارة فبعد موته دخل أخوه الغرفة ونظر إلى صورته وقال أنا لم أعرفك ولم أكن قريبًا منك وبكى كثيرًا. هل تريد العتق في رمضان؟ هل تريد مغفرة الله؟ هل تريد أن تبلغ ليلة القدر؟ كيف هي العلاقة بينك وبين إخوتك؟ يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “إن الرحمة لا تتنزل على قومٍ بهم قاطع رحم”، فهل تتشاجر مع أخيك؟ هل تمنع أولادك من زيارة أخيك؟ يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “صلوا رحمكم ولو بالسلام” ويقول أيضًا: “وليس الواصل بالمكافئ ولكن من إذا قطعه ذو رحمه وصله” أي أن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها، يعني أن الواصل الذي يصل الرحم المقطوعة وليس الذي لو أن أحدًا من أقاربه كلمه بالهاتف رد هذه المكالمة. صلوا أرحامكم قبل أن تفقدوا الأحباب وتموت العمة والخالة فتندموا بعد ذلك، يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “إن الله خلق الخلق. حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة. قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك “، كذلك عندما يصل الناس إلى الصراط ومن تحته النار فتقف كلا من الأمانة والرحم على جنبيه وتقولا لكل من يريد أن يمر لا تمر حتى يقضي الله فيك وتعطينا حقنا، أي أن قاطع الرحم هذا سيظل منتظرا حتى يقضي الله بين الخلائق. لذلك لا تترك أحدًا يغتاب أخاك، بل يجب الود والحب بين الإخوة.
لقد ساند سيدنا موسى طيلة حياته، فعندما يكون هناك اثنان رفقاء عاشا رسالة مع بعضهما وعندما يموت أحدهما فاعلم أن نهاية الثاني قد اقتربت، فكأن وفاة سيدنا هارون تعني قرب وفاة سيدنا موسى، فهم رفقاء في الدنيا والآخرة فسيدنا هارون في السماء الخامسة وسيدنا موسى في السماء السادسة، إن سيدنا موسى قد أعطى أفضل هدية لسيدنا هارون فقد دعا الله سبحانه وتعالى أن يكون سيدنا هارون نبيًا وقد قبل الله أن يكون نبيًا، أما سيدنا هارون فقد ساند سيدنا موسى، فأفضل شىءٍ في الدنيا أن تكون العلاقة تبادلية، هذه هي صلة الأرحام، فيجب أن تسأل نفسك هل تحب أخاك؟ لا تتكبر ولا تقول أن به صفاتًا سيئة بل تسامح معه.
القيمة الثانية: التفكر في خلق الله
التفكر في خلق الله من أعظم العبادات وأعز القيم فتفكر ساعة في عظمة الله خيرٌ من عبادة سنة بلا عقل وبلا فكر. التفكر هو نور الإيمان، التفكر هي العبادة التي أصبح بها النبيّ صلى الله عليه وسلم نبيًا في غار حراء وهي العبادة التي أصبح بها سيدنا موسى نبيًا وهو في مدين، وهي التي تمَّ تأهيل سيدنا إبراهيم أبي الأنبياء بها لكي يكون نبيًا {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (الأنعام:75) والتفكر هو الذي يجعل الإيمان عميقًا في القلب والعقل.
البتراء منطقة ساحرة:
لا نعرف على وجه الدقة أين توفيَ سيدنا هارون لكنه توفي في منطقة البتراء بالأردن. إن هذه المنطقة معجزة من معجزات الكون، فنحن دائمًا نظن أن المناظر الطبيعية تكون في الخضرة والشلالات فقط بل إن البتراء بها تكوينات جبلية نادرة تجعلك تقول “سبحان الله!” و”سبحان الخالق!”، فالبتراء منطقة جميلة تجعلك تسبِّح الله طيلة الوقت فالبتراء منطقة رائعة غير عادية بالرغم من أنها صحراء. فنحن بين معنيين: المعنى الأول هو وفاة سيدنا هارون رفيق العمر الذي ساند سيدنا موسى والمعنى الآخر هو التفكر في خلق الله.
لذلك يجب عليكم صلة الأرحام لأن الرحمة لا تنزل على قاطع رحم فيجب ألا تقطع رحمك بعد أن ترى رفيقي العمر سيدنا هارون وسيدنا موسى، وأثناء ذلك تفكروا في خلق الله ويارب كل واحد يجمع شمل إخوته وعائلته.
سيدنا هارون له علاقة حميمة فريدة بسيدنا موسى فهي أعظم وأقوى علاقة بين أخوين في التاريخ فإن القرآن قد أثنى على هذه العلاقة، لا نعرف على وجه الدقة مكان دفن أي نبيٍّ سوى النبيّ صلى الله عليه وسلم أما بقية الأنبياء فنعرف فقط المكان؛ فإن سيدنا إبراهيم قد مات في الخليل وسيدنا موسى في جبل نيبو وسيدنا هارون في البتراء، هذه المدينة الساحرة بالصخور العجيبة وسط الصحراء ففي هذا المكان مات سيدنا هارون.
أعظم علاقة أخوّة في التاريخ:
أقوى علاقة بين أخوين في التاريخ هي علاقة موسى وهارون، وأقوى علاقة أخوّة ذُكرت في القرآن هي علاقة موسى وهارون، وأسوأ علاقة أخوين في القرآن هي علاقة قابيل وهابيل وكأن القرآن يريك علاقات الأخوّة من أولها إلى آخرها، من أعلى درجة إلى أسوأ درجة. أي علاقة بين اثنين تكون علاقة تبادلية وتكاملية ليس فقط تبادلًا ماديًا بل تبادلًا روحانيًا، فإن سيدنا موسى أعطى سيدنا هارون أعظم هدية وهي النبوة فقد دعا وقال {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي…} (القصص:34) ويقول الله سبحانه وتعالى {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} (مريم:53)، أيضًا أعطى سيدنا هارون سيدنا موسى المساندة فقد سانده ووقف إلى جانبه أمام فرعون، فهي أعظم علاقة أخوين فقد أثنى القرآن على هذه العلاقة في سورة الصافات قائلًا: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ {114} وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ {115} وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ {116} وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ {117} وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ {118} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ {119} سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ {120} إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ {121} إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ {122} (الصافات) فهي أقوى وأجمل علاقة أخوّة.
مراحل علاقة سيدنا هارون بسيدنا موسى:
لم تبدأ هذه العلاقة مرة واحدة بل كانت على مراحل حتى وصلت لهذه الدرجة الوطيدة القوية، فمراحل هذه العلاقة كالآتي:
المرحلة الأولى: كان هارون يزور سيدنا موسى في قصر فرعون على أنه ابن مرضعته.
المرحلة الثانية: عرف سيدنا موسى أن المرضعة أمه وهارون أخوه فهو شقيقه من دمٍ واحد وروحٍ واحدة، وقد كان سيدنا هارون دائمًا يقول {يَا ابْنَ أُمَّ} (طه:94) لأنه يشعر بأصل هذه العلاقة.
المرحلة الثالثة: الأخ الصديق- فقد بدأ سيدنا موسى يحكي لسيدنا هارون مأساة بني اسرائيل ويشكو له همه.
المرحلة الرابعة: انتقلت من علاقة الأرحام إلى علاقة الأخوّة في الله، يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم “ما تآخى اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أكثرهما حبًا لصاحبه” ويقول أيضا “من أحب أخًا في الله رفعه الله درجة في الجنة ما بين الدرجة والأخرى كما بين الأرض والسماء لا ينالها بشئٍ من عمله”، يقول الله في الحديث القدسي “وجبت محبتي للمتحابين في“ وينادي الله في الحديث القدسي ويقول “أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلَّ إلا ظلي“، فقد كانا يعبدان الله سويًا لذلك ارتقت العلاقة من أخوّة الدم إلى الأخوّة في الله. يقول سيدنا موسى {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} (طه:33-34) ويقول الله {قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (يونس:89) فقد كانا يعبدان الله سويًا ويذكران الله سويًا لذلك تحولت العلاقة إلى أخوّة في الله.
المرحلة الخامسة: شركاء في رسالةٍ واحدة وهي إصلاح بني إسرائيل {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} (طه:32)، فقد ارتقيا حتى أصبحا شركاء رسالة فيجب أن تقوموا بتقوية علاقاتكم بإخوتكم وأقاربكم.
عطاء وإخلاص سيدنا هارون:
سيدنا هارون كان يعطي ولا يأخذ ولا يعترض ولا يحتج، بل كان دائمًا سندًا لسيدنا موسى {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ…} (القصص:35) فكثيرٌ من الناس لا تقبل دور الرجل الثاني وآخرون يقبلون دور الرجل الثاني ويكون بداخلهم حرجٌ ما، فلا يقبل شخص دور الرجل الثاني بهذه الصورة إلا المخلص! فعندما ترك موسى بني إسرائيل وذهب لميقات ربِّه لمدة أربعين يومًا رفضوا أن يطيعوا أمر سيدنا هارون {قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} (طه:91) لأنهم كانوا يتعلقون بشخصٍ وليس بفكرة، كانوا يتعلقون بالقائد رقم واحد الذي رمى العصا ووقف أمام فرعون، أما سيدنا هارون فقد كان مخلصًا ومؤمنًا بهذه الرسالة فقاد دور الرجل الثاني بلا احتجاج وبلا اعتراض وبلا مشاكل، لذلك فقد تقاربا في المنزلة فمنزلة سيدنا هارون في السماء الخامسة وسيدنا موسى في السماء السادسة، نال سيدنا هارون هذه المنزلة لأنه شديد العطاء والإخلاص، فقد كان بنو إسرائيل يعلمون أن سيدنا هارون هو الرجل الثاني لذلك كانوا يحاولون الإيقاع بينه وبين سيدنا موسى فقالوا إن موسى لم يأخذ سيدنا هارون معه لميقات ربِّه لأنه يغار منه ولأن رب موسى يحب هارون أكثر من موسى، أيضًا عندما عاد موسى ورأى القوم يعبدون العجل قالوا له إن سيدنا هارون هو الذي أمرهم أن يعبدوا العجل فقد قالوا ذلك للإيقاع بينهم، ولذلك فقد كان القرآن واضحا لتبرئة هارون من الافتراء الكذب، وعندما رجع سيدنا موسى وأخذ بلحية سيدنا هارون وقال له {أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (طه:93) فأجاب سيدنا هارون {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} (طه:94) وقال في آية أخرى {…قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء…} (الأعراف:150) فهذا يدل على أنه شديد الحنان والعطاء.
ذكريات سيدنا موسى وسيدنا هارون:
فذكريات سيدنا موسى وهارون ذكرياتٌ شديدةُ الجمال فقد وقفوا أمام فرعون سويًا وانتصروا سويًا وفرحوا سويًا وبكوا سويًا وعبدوا سويًا وسبحوا سويًا وقاموا بهداية الناس سويًا.
ما هي أحلى لحظة بين سيدنا موسى وسيدنا هارون؟ عندما رجع سيدنا موسى من الطور وبشَّر سيدنا هارون أن الله قبل أن يكون نبيًا.
ما هي أصعب لحظة؟ عندما وقفوا أمام فرعون سويًا
ما هي أقوى لحظة؟ عندما وقفوا أمام السحرة سويًا
ما هي أعزّ لحظة؟ عندما عبروا البحر سويًا
هذه قصة أخوّة نادرة في التاريخ وبطلها مع سيدنا موسى سيدنا هارون فهو البطل المخلص في الصفوف الخلفية بلا غيرة، وتظل هذه الذكريات حتى يموت سيدنا هارون، فآخر لقطة عندما قال الله لهم {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ…} (المائدة:21) فقال كلُّ بني إسرائيل {…إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة:24) فبدأ يقل عدد المقبلين على القتال حتى وصل إلى موسى وهارون فقط، فقال سيدنا موسى {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المائدة:25).
وفاة سيدنا هارون:
يموت سيدنا هارون ويدفنه سيدنا موسى بيديه فقد كان رفيق العمر والإصلاح والرسالة. إن معنى وفاة سيدنا هارون هو قرب أجل سيدنا موسى لأنهم شركاء في الرسالة. مات سيدنا هارون ودُفن في البتراء، فالبتراء بها جبلين عملاقين وبينهما شقٌّ طوله ما يقرب من نصف كيلو والجبلان متلاحمان ومتناسقان فلعل هذا المكان له شكل بين علاقة موسى وهارون ولعل الجبلين العملاقين هما موسى وهارون وعلاقتهما متلاحمة كتلاحم الجبلين لأن هذه هي شكل العلاقة بينهما.
يقال أن سيدنا هارون دُفن في هذا المكان المتسع في نهاية الممر بين الجبلين المتعانقين بعد الخروج فورًا من الجبلين، فهو بين أحضان خمسة جبال ويقال أن هذا المكان اسمه “خزنة فرعون”، هذا شىء رهيبٌ وجميلٌ فسبحان الله.



