قصص القران 2- الحلقة السابعة والعشرون

سبتمبر 20, 2009 أضف تعليقاً

P1 P2P3

P1P2P3

التصنيفات:قصص القران (2) الوسوم:

قصص القران 2- الحلقة السادسة والعشرون

سبتمبر 18, 2009 أضف تعليقاً

( الحلقة السادسة والعشرون )

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أهلا ومرحبًا بكم.

نستكمل معًا الحديث عن مجموعة أخرى من القيم للنصف الثاني من مسيرة سيدنا موسى عليه السلام، وهي عبارة عن سبعة قيم أخرى يعلمنا إياها هذا النبي العظيم.

القيمة الأولى: حُب الله

هذه القيمة تتجلى عندما كلم الله تبارك وتعالى سيدنا موسى عليه السلام في جبل الطور، فيقول له: يا رب دُلني على أدنى أهل الجنة منزلة، فقال له الله تبارك وتعالى: يا موسى أدنى أهل الجنة منزلة ذلك آخر رجل يخرج من النار، فيخرج من النار ويريد أن يدخل الجنة حبوًا، كلما أراد أن يخرج منها أعيد فيها، حتى يخرج منها في النهاية ويقول الحمد لله الذي نجاني منكِ، فيقول له الله تبارك وتعالى: اذهب فادخل الجنة، فيذهب فينظر فيُخيل إليه أنها ملأى، فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول له الله: أما ترضى أن يكون لك ملك مثل أعظم مَلك من ملوك الدنيا؟ فيقول الرجل: يارب أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟! فيقول له الله تبارك وتعالى: لك مثل أعظم مَلك من ملوك الدنيا ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فيقول العبد: رضيت يا رب، رضيت يا رب، فيقول له الله تبارك وتعالى: لك مثل أعظم مَلك من ملوك الدنيا وعشرة أمثاله ولك فيها ما اشتهت نفسُكَ، وتمنت عينُك وأنت فيها خالد. فقال موسى عليه السلام: يارب أذلك أدناهم منزلة..؟! فقال له الله: نعم يا موسى، فقال موسى عليه السلام: يارب فمن أعلاهم منزلة..؟! فقال له الله: أولئك الذين أردت، زرعتُ كرامتهم بيدي، فلا تدري عين ولا تسمع أذن ولا يخطر على قلب بشر ماذا أريد أن أعطيهم.

القيمة الثانية: لا تُهن نفسك

هذه القيمة رأيناها في قصة موسى عليه السلام مع السامري عندما عاد من ميقات ربه فوجد بني إسرائيل قد عبدوا العجل، فالدرس المستفاد هنا هو أنه مهما حدث لا تُهن نفسك أو تذِلها لمعصية، ولا تهن وتذِل أولادك، ولا تدع للشيطان مجالا ليقودك إلى المعاصي ويوجهك كيفما شاء، أو تُهن نفسك لعادة من العادات السيئة، أو تذِل نفسك لإنسان كائنًا ما كان، فالذُل يشوه النفوس بل هو أسوء من التشوهات التي قد تُصيب الوجه إثر حرقٍ أو حادثٍ. فعندما حرق موسى عليه السلام العجل إنما أراد بذلك أن يحرك بداخلهم معنى (لا للذل)، لأن النفس الذليلة لا يوجد من يحترمها في هذا الكون على الإطلاق.

وفي إطار أحداث قصة موسى عليه السلام والسامري ذهب السامري إلى بني إسرائيل وقال لهم: أرأيتم الحُلي التي أتيتم بها من مصر..؟ لن يأتي إليكم موسى إلا بعد أن تلقوها في البحر، فألقاها بنو إسرائيل وأخذها السامري، ولكنه أخذها ليس ليسرقها ولكن ليبني بها عِجلا من ذهب، وقد بنى لهم بالفعل عِجلاً يشبه العجل إيبيس، وفتح له فتحة من فمه وأخرى من مؤخرته ثم وضعه بشكل معين في اتجاه الريح بحيث يدخل الهواء من فمه فيُحدث صوتًا من مؤخرته، وقد استغل السامري ارتباط بني إسرائيل بالعجل إيبيس فصنع لهم مثله ليضلهم، ثم قال لهم: هذا إلهكم وإله موسى، فعبدوه، ولكن الله لم يدع السامري حتى أنزل عليه العقوبات.

1. وكانت العقوبة الأولى هي نفي السامري وطرده.. قال تعالى: {قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ..} طه97.

2. العقوبة الثانية هي حرق العجل.. قال تعالى: {..وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} طه97، وتُنفَذ أوامر سيدنا موسى عليه السلام ويُحرق العجل ويُنسف في اليم نسفًا.

القيمة الثالثة: حُب المسجد الأقصى

رفض بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة، فقال لهم رب العالمين: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ..} المائدة26، وغدت أمة مُحمَّد صلى الله عليه وسلم هي المسئولة عن المسجد الأقصى وهي المسئولة أيضًا عن القدس، فهذه قيمة غالية علينا أن نربى أنفسنا وأبناءنا على حبها.

عندما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا بالأنبياء في المسجد الأقصى لم يكن الأمر عبثًا بل كان إشارة إلى معنى عظيم. وكان خلفه سيدنا موسى عليه السلام مأمومًا وراءه صلى الله عليه وسلم، وكان خلفه أيضًا سيدنا عيسى عليه السلام، وإبراهيم عليه السلام، ونوح عليه السلام، وآدمَ عليه السلام، وكأن المعنى العظيم هو تسليم الأنبياء الراية للنبي صلى الله عليه وسلم لتحمل مسئولية المسجد الأقصى هو وأمته من بعده، فالمسجد الأقصى هو بمثابة –ترمومتر- الإيمان للأرض ولقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ولسوف نُسأل عنه يوم القيامة.

القيمة الرابعة: حلمُ الله على عباده

وبالرغم من ظلم بني إسرائيل وجحودهم بنِعم الله، فقد كان الله تبارك وتعالى يربيهم أحيانًا بالشدة وأحيانًا بالرحمة، وقد تجلت رحمة الله وحلمه على بني إسرائيل عندما ضرب سيدنا موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا.. قال تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ..}البقرة60، وهنا نرى رحمة الله وحلمه البالغ على عباده مهما عصوه، فعلينا أن نحب الله من كل قلوبنا كما علمنا ذلك رسول الله، فقد كانت أولى كلماته صلى الله عليه وسلم حينما دخل المدينة: (أيها الناس أحبوا الله من كل قلوبكم، أحبوا الله لِما يغذوكم به من النِعم).


القيمة الخامسة: لا للمادية ولا للجدل ولا للماطلة

ذُكرت حادثة البقرة في سورة البقرة التي سميت باسمها وهي من أطول سور القرآن الكريم، وهذه القصة لا تحتوي على قيمة واحدة فحسب بل عشرات القيم منها:

· لا للمادية.

· لا للجدال.

· لا للمماطلة.

ولأن سورة البقرة كلها قيم بسبب قصة البقرة التي جسدت الكثير من المعاني، والكثير من الأخطاء التي وقع فيها بنو إسرائيل، فكان المعنى الأساسي والرئيسي هو التحذير من الوقوع في نفس الأخطاء التي وقعوا فيها.

القيمة السادسة: قيمة العلم

ليست هناك نهضة بدون علم، وليس العلم المقصود به أُناس يتعلمون للحصول على الشهادات فحسب بل أُناس يعشقون العلم، يقرأون ويتعلمون لكي ينجحوا في الحياة. وتتجلى هذه القيمة في قصة موسى والخضر عليهما السلام، فكان لدى سيدنا موسى عليه السلام إصرارًا كبيرًا لتعلم العِلم على يد الخضر عليه السلام، وكانت لديه رغبة شديدة في طلب العلم مهما كلفه ذلك من عناء ومشاق، فكان يقول: {..أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً}الكهف60، أرأيتم كيف كان شغفه وتعلقه عليه السلام بطلب العلم وحرصه على مقابلة الخضر عليه السلام؟

القيمة السابعة: صلة الأرحام

ولقد تجلت صلة الأرحام في قصة موسى عليه السلام في العلاقة التي جمعت بينه وبين أخيه هارون عليهما السلام، فقد كان سيدنا هارون صاحب رسالة، مخلصًا بشدة لأخيه موسى عليه السلام وسندًا له، كما كان يمتلك نفسًا صافيةً إلى أبعد الحدود.

P1 P2P3

P1P2P3

التصنيفات:قصص القران (2)

قصص القران 2- الحلقة الخامسة والعشرون

سبتمبر 18, 2009 أضف تعليقاً

( الحلقة الخامسة والعشرون )

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سنستعرض اليوم النصف الأول من حياة سيدنا موسى عليه السلام منذ مولده وحتى معجزة انشقاق البحر، وكذلك سنستعرض القيم الأساسية والتي سبق تناولها.

القيمة الأولى: التوكل على الله

أتذكرون مولد موسى عليه السلام؟ أتذكرون أمه عندما ألقته في النيل؟ وكانت القيمة آنذاك هي التوكل على الله، ومعادلة التوكل كانت هي أن تفعل كل ما بوسعك بالإضافة إلى  التوكل على الله سيساوي ذلك نصرة وحماية وحفظ ورعاية كما في قصة سيدنا موسى عليه السلام في قوله تعالى: [وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ] {القصص:7} وفي نهاية قصة سيدنا موسى كل وعود الله تبارك وتعالى تحققت، كما رأينا أنك كلما توكلت على الله وفعلت كل ما بوسعك فثق أن وعود الله تبارك وتعالى لا يمكن أن تتبدل، كما في قوله تعالى: [… إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ]، أتذكر أم موسى عندما ألقته في اليم، لعلها في هذه اللحظة دعت على فرعون، ومن الممكن أن تكون هذه الدعوة سبب هلاك فرعون في البحر، لأنه بأفعاله أجبرها على أن تلقي بولدها في اليم كي تنجيه من بطشه، ومن الممكن أنها كانت تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل. كيف أخذت خطوة إلقاء ولدها في اليم؟! وكيف كان توكلها وهي تراه يبعد عن عينيها؟! كانت تردد وعد الله تبارك وتعالى [… إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ]، لقد أصبح موسى عليه السلام بمجرد إلقائه في اليم في معية الله، وجنود الله تعالى جميعهم تحميه بأمر من الله تبارك وتعالى، يقول تعالى:[… وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ…] {المدَّثر:31}.

القيمة الثانية: نصرة الضعيف

أتذكرون عندما ذهب سيدنا موسى عليه السلام إلى مدين؟ وكيف أنه سقى للفتاتين رغم تعبه وإجهاده من سيره على قدميه لمدة ثمانية أيام؟ أتذكرون كيف أن نعله وجلد قدميه قد سقطا؟ أتذكرون نصرته للمظلومين؟

من الممكن أن ينظر بعض الناس إلى أن سقاية موسى عليه السلام للفتاتين أمر هين، ولكنها عند الله عظيمة؛ لأن من يقف بجانب الضعفاء في الأشياء البسيطة يكن الله تبارك وتعالى في عونه في الأشياء الكبيرة، والله تبارك وتعالى يضع الإنسان في تجارب عديدة عدة مرات، فإن استمر على نصرة الضعفاء والمظلومين يعطه الله التكليف الكبير والمنزله الكبيرة. وسبب ثبات ونصرة نبي الله موسى عليه السلام في أصعب تجربة لمواجهة الظلم كان بسبب مواقف صغيرة مثل نصرة الضعفاء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن يمشي أحدكم في حاجه أخية خير له من أن يعتكف في مسجدي هذا أربعين يومًا). معنى ذلك أنك إذا قمت بعمل مشروع صغير لأسرة في قريتك الفقيرة خير لك من الاعتكاف في المسجد النبوي في العشر الأواخر. وإلى كل من تعتريه المصائب يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من فرج على مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة). إذا كان لديك مصيبة أو هم أو حزن وساعدت مسكينًا أو ضعيفًا أو أرملة أو جارًا لك أو أحدًا من عائلتك فقيرًا يحتاج إلى المساعدة ووقفت بجانبه سترى الله سبحانه وتعالى ماذا سيصنع معك، كان أحد الصحابة رضوان الله عليهم إذا لم يطرق على بابه ضعيف أو فقير يقول: هذه مصيبة لذنب أذنبته. تُرى كم ذنب أذنبناه نحن؟ إذا لم تجد أحدًا من الفقراء يطرق بابك أو ضعيفًا تذهب إليه وتقوم بمساعدته فاعلم أنك محروم وأن ذنوبك كثيرة.

القيمة الثالثة: كن مرنًا مع ظروف الحياة

أتذكرون كيف عمِل سيدنا موسى برعى غنم لمدة عشر سنوات بعدما كان الأمير الذي ترعرع في القصور؟ هذه في حد ذاتها قيمة للحياة أو المرونة مع ظروف الحياة، وقوله تعالى: [… اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ…] {الأنفال:24}، ليست فقط قيم الإيمان أو العبادة، ولكن قيم النجاح في الحياة أيضًا، ومن إعجاز القرآن أنه لا يصلح  آخرتك فقط ولكن دنياك أيضًا.

وهذه القيمة الرائعة هي كيف أن تكون مرنًا مع ظروف الحياة، وكيف أن سيدنا موسى عليه السلام علم أن هذا هو وضعه الجديد، وأنه لابد أن يتعامل معه، ولم يأب العمل في رعي الغنم، وأريد أن أوجه رسالة للشباب الذي يبحث عن العمل ولا يجده، أقول له: تعلم من سيدنا موسى، وتعلم هذه القيمة الكبيرة، وكن مرنًا مع ظروف الحياة.

رعى سيدنا موسى الغنم قرابة العشر سنوات، هل تدرون لم اختار الله سبحانه وتعالى هذه المهنة لسيدنا موسى؟ قال صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبيًا إلا ورعى الغنم)، قال الصحابة: حتى أنت يا رسول الله؟ فأجابهم عليه الصلاة والسلام بأنه كان يرعى الغنم بمكة، إنها لمهنة تساعد على تعلم الصبر، وهو المطلوب حتى يصبر على بني إسرائيل، كذلك هي مهنة تُعلم الحلم وعدم العجلة، ولقد كان سيدنا موسى عليه السلام آنذاك عجولًا، فكان لابد من معالجة تلك العجلة كي يكون من الأنبياء وأولي العزم من الرسل الصابرين، وتتعالج هذه العجلة برعي الغنم عشر سنوات، ويتعلم الحلم والصبر والتفكر، ومن هنا تظهر عصاه التي سيصنع بها الله معجزات عظيمة، وسيدنا موسى عندما صبر على العصا من أجل الغنم جعل الله له هذه العصا بصبره وإخلاصه سببًا في عزة كبيرة ونصرة كبيرة، تريد أن تكون شيئًا كبيرًا عند الله عز وجل أرني كيف يكون الصبر عندك هل ستتحمل أم لا؟ يا جماعة، اصبروا عندما يعرضكم الله تعالى لاختبار، اصبروا، وسترون كيف أنه سيرفعكم كما رفع موسى عليه السلام، سيدنا موسى الآن في السماء السادسة هل ترون منزلته؟

القيمة الرابعة: تحرك واعمل حتى يختارك الله

أتذكرون سيدنا موسى عندما وصل إلى جبل الطور بعد خروجه من مدين في طريقه إلى مصر؟ أتذكرون لحظة اختياره [وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى] {طه:13}؟ كل واحد منا في مجاله عليه أن ينظر كيف يمكن أن يعمل من أجل الله، وإن أعظم عمل هو أن تذكر الناس بالله وتعرفهم به وتدعوهم إليه، لقد استخدم الله سبحانه وتعالى سيدنا موسى لنصرة المظلومين وتحريرهم من الظلم، يتوهم الناس أن أوربا هي من ابتدعت الحرية، وأنها أول من تحدث عنها، بل ويتشدق العالم الآن بالحرية، ويقولون: إن المسلمين لا يعلمون شيئًا عن الحرية، وهذا غير صحيح، فها هو ذا نبي قد أرسل من أجل الحرية، وها هو ذا قرآننا يتحدث عن الحرية.

لقد زود الله تعالى سيدنا موسى بمعجزتين هما: العصا واليد، فالله تعالى لا يرسل معجزة إلا وتكون مناسبة للعصر الذي جاء فيه النبي، فلا يكفي أن يكون معك الحق، ولكن لا بد وأن تعرض هذا الحق بطريقة مؤثرة ومناسبة لمن حولك. فالأشرار يجيدون عرض الحق بشكل مزين لأنه باطل، لكن الأخيار لا يعرفون كيف يعرضون هذا الحق بشكل جذاب عصري مناسب لعصرهم. ففي عصر سيدنا موسى كانوا يشتهرون بالسحر فبعث الله لهم معجزة ربانية تتحدى هذا السحر، ورسالة إلى فرعون لكي يفيق من طغيانه وضلاله، وليعلم أن موسى عليه السلام نبيًا مرسلًا من الله.

أما العصا ففيها أمر خطير، فكل دولة من الدول عندها رمز تضعه في العلم التابع لها، مثال على ذلك إنجلترا، الأسد رمزها، وتجده في علم بلادهم. أما فرعون فكان رمزه الثعبان، وكان هذا الرمز موجودًا على قصر رمسيس الثاني، ليس هذا فقط بل إن الثعبان كان أحد الآلهة التي كان يعبدها فرعون، فرمز قوته هو الذي سيلتهمه، سر العصا ليس أنها انقلبت إلى ثعبان لكنها مناسبة لهذا العصر، فهي بذلك وسيلة مشوقة عصرية جذابة، وفيها منتهى التحدي لفرعون، فهي لابد وأن تهز فرعون؛ فموسى جرى عندما رأى العصا تنقلب إلى حية فكيف بفرعون؟

وأما معجزة اليد فلم ترمز؟ برع الفراعنة في التحنيط، حيث كانوا يعالجون جسد الميت كيميائيًا بطريقة تجعله في شكل مختلف ولمدة طويلة، وكان فرعون ينفق أموالًا طائلة على التحنيط، وكان علماء التحنيط من أغنى الناس في تلك الأيام، وهنا سيتحدى سيدنا موسى فرعون بآية من الله ليد من جسد حي بدون معالجة كيميائية، وكأن الرسالة أن أفق يا فرعون، فهذا نبي الله، وهذه آية من عند الله.

القيمة الخامسة: الموازنة بين الشجاعة والحكمة

أتذكرون المواجهه بين فرعون وسيدنا موسى؟ وكيف أن الشجاعة وحدها لا تكفي، وأنه لابد من أن يكون معها حكمة وأدب ومعاملة الناس برفق [فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا…] {طه:44}.

لقد قرر موسى عليه السلام أن يعرض المعجزات التي أيده بها الله على فرعون والحاضرين، وذلك حين هدده فرعون بالسجن، فأراد موسى أن يريه ما يجعله عاجزًا حتى عن سجنه، وقد نجح في إرباكه، فرد فرعون عليه، وقد ملأه الفضول قائلًا: [قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] {الشعراء:31}، وما إن قالها حتى نفذ موسى: [فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ] {الشعراء:32}، فلنتخيل صوت العصا وهي تُلقى على أرض قصر فرعون ثم تتحول إلى ثعبان عظيم، وهو الحادث ذاته الذي أخاف سيدنا موسى وأربكه عند جبل الطور، ويمكننا هنا أن نتخيل الفزع الذي أصاب فرعون من جراء رؤيته لهذا الثعبان الذي وصفه القرآن بأنه مبين، ربما تصبب عرقًا، وانكمش في كرسي عرشه. ولم يمهله موسى بل استمر: [وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ] {الشعراء:33}، فرغم شدة معجزة الثعبان إلا أن اليد البيضاء تحمل معنى السلام، فيستكمل بها اللين الذي بدأ به، وبدأ الناس من حول فرعون يتأثرون، فقال فرعون: [قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ…] {الشعراء: 34-35}، بدأ فرعون يبث في الناس فكرة الفتنة الطائفية؛ مدعيًا أنها هي أصل ما جاء به موسى عليه السلام، بل وأراد أن يبدو في صورة المشاور الذي يستمع إلى الآراء الأخرى؛ فيستكمل قائلاً: [… فَمَاذَا تَأْمُرُونَ] {الشعراء:35}، فرد الملأ من حوله ردًا قد يبدو مؤيدًا لفرعون، إلا أنه في جوهره ليس مؤيدًا له، فجاء الرد: [قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ] {الشعراء:36-37}، وانتهى اللقاء على ذلك بفوز سيدنا موسى عليه السلام.

القيمة السادسة: عش للحق ينصرك الله الحق

أتذكرون يوم الزينة ومواجهه سيدنا موسى للسحرة؟ قيمتنا كانت عن الحق، إياك أن تضع مصلحتك في كفة والحق في كفة أخرى ثم ترجح كفة مصلحتك على كفة الحق، لقد قامت السموات والأرض على الحق، الله سبحانه وتعالى اسمه الحق، يقول تعالى [بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ …] {الأنبياء:18}، وأيضًا [وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا] {الإسراء:81}، ترى من الذي يقذف بالحق؟ إنه الله، فالباطل سينتهي مهما طال ولكن عندما يأتي الحق، فإن لم يأت فسيأتي باطل آخر.

أتذكرون يوم أسلم السحرة لرب العالمين؟ لقد أمر فرعون جنوده بالتحرك وتقييد السحرة، وأمر أن يحل عليهم العقاب، فقام بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبوا في جذوع النخل، وقتلوا أمام الناس، ومن يدري ربما بكت آسيا  أمام ماتشاهد، وربما  يكون ما حل عليهم من عقاب سببًا في زيادة إيمان الحضور، ولعل جبريل جاء إلى سيدنا موسى قائلاً له: ألم أقل لك يا موسى، هم عندكم من الضحى إلى العصر وفي الجنة بعد العصر؟!

فرعون، يا له من مجرمٍ! يقتل عشرة آلافٍ من أعوانه في يوم، خلال لحظات! ويهدد كل الحاضرين بأن من سيؤمن سيناله ذات العقاب، مات السحرة، وقد يتساءل البعض: لِم لم يحم الله السحرة كما حمى موسى؟ والإجابة: بأن موسى رمز، سيكمل الرسالة، ولابد من موت السحرة؛ ليعلم الناس أن الحق غالٍ لا يقبل المساومة، وإن كان ذلك على حساب رزقك، أو حتى حياتك، فلابد وأن يضحي أحد من أجله.

من وجهة نظرك من انتصر؟ فرعون أم السحرة؟ أنا أقول السحرة؛ لأنهم هم الذين فرضوا فكرتهم وانتصروا لها، وأخضعوا الآخر لإرادتهم، وهزوا الناس، وماتوا، لكن فكرتهم انتصرت، أما فرعون فقد غرق في نهاية الأمر، وبقيت فكرة السحرة، من صاحب الجنة ومن صاحب النار؟ الحق أم الباطل؟ إن السحرة هم المنتصرون.

القيمة السابعة: استشعر عظمة وقدرة الله

قل لله: يا عظيم، قل له: يا قوي، قل له: الكون كله ملكك، قل له: أنت القادر المهيمن على كل صغيرة وكبيرة في الكون، [وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] {الأنعام:59}، من الملك؟ [وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ …] {الأنعام:91}، املأ قلبك بهذه القيمة الكبيرة، وهي عظمة وقدرة الله عز وجل، مم تخاف في الدنيا لو أنك تعلم أنه العظيم القوي؟ لقد تعودنا على معجزة انشقاق البحر من كثرة الاستماع للقصة ونحن أطفال حتى كبرنا، ولكنها معجزة غالية جدًا، منها نعرف كيف ينجي الله عباده المؤمنين وكيف يكون انتقامه من الظالم.

تقول الآية: [فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ] {الشعراء:61}، تراءى الجمعان تعني أنهم لم يسمعوا أصوات بعضهم بعضًا في البداية، أو يستشعروا قرب أحد، بل فجأة رأوا بعضهم بعضًا، تخيل هؤلاء عُزَّل من السلاح، معهم أطفالهم ونساؤهم، سيبادون ويقتلون جميعًا، فقال أصحاب موسى “إِنَّا لَمُدْرَكُونَ”، فليس أمامهم سوى البحر من جهة وفرعون وجنوده من الجهة الأخرى، فتخيل يأسهم في هذه اللحظة، وتخيل ضعفاء النفوس منهم وهم يلومون سيدنا موسى وإلى ماذا أوصلهم، فيرد سيدنا موسى بكلمة كلها استشعار لعظمة وقوة الله سبحانه وتعالى: [قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ] {الشعراء:62}، كلمة وأنت تقرأها تحب جدًا سيدنا موسى، قوي جدًا، عظيم جدًا، شجاع جدًا، وما هذه الثقة في الله، والتوكل على الله، ومدى شعوره بقوة ربنا، ما فرعون؟ وما الجنود؟ وما السيوف؟ وما الرماح؟ وما الفرسان؟ إن معي ربي، يقولها بمنتهى الثقة وهو لا يعلم كيف سينجو، ولا يعلم أن العصا ستشق البحر، فقط عرف أنها تتحول لأفعى بأمر الله، ولم يكن يعلم أنها ستلتقط حبال السحرة إلا عندما أخبره الله، أما ما يراه أمامه في هذه اللحظة فهو الواقع المادي الحقيقي أمام عينيه هو وبنو إسرائيل، وهو أن البحر أمامهم، وأن فرعون آخذ في الاقتراب منهم، وهو لا يعلم كيف النجاة، الشيء الوحيد الذي هو متأكد منه هو أن ربنا قوي، ” إِنَّ مَعِيَ رَبِّي“، أتستطيع أن تقولها بهذا الإحساس؟ أتستطيع أن تحيا بها مهما كانت الدنيا صعبة، وليس فقط مع من ظلمك، ولكن في حياتك كلها تكون مع الله لا تخشى شيئًا، وتحيا بإحساس “ربي لن يضيعني”.

ويشرح القرآن كيف جاء نصر الله: [فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ البَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ] {الشعراء:63}. تخيل عظمة وقدرة الله في كلمة “فَانفَلَقَ“،  والطود تعني الجبل، أى أن البحر انقسم فأصبح كوادي بين جبلين، من منا يتخيل أن يتحول  بحر إلى وادي بين جبال في لحظة واحدة. [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] {يس:82}، فأمر الله بين الكاف والنون، والبحر جندي من جنود الله، فلنعدد معًا جنود الله في قصة سيدنا موسى منذ بدايتها وحتى هذه اللحظة:

· البحر جندي.

· النيل الذي حمل صندوق الرضيع موسى فحفظه جندي.

· المحبة التي قذفها الله في قلوب من يقابل سيدنا موسى- فمن لقيه يحبه- جندي، يقول تعالى: [… وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي…] {طه:39}.

· تيار النيل الذي حمل صندوق موسى إلى بيت فرعون جندي.

· شفاه سيدنا موسى التي لم تقبل المرضعات جندي.

· قاع البحر الذي سيسيرون عليه، ومشيهم بين الشعب المرجانية.

كل هذه المخلوقات من جنود الله، فالله سبحانه وتعالى لم يفتح لهم البحر ليعبروا عليه تاركه  بحالته المائية وإلا لخافوا العبور بين جنبيه، ولكنه برحمته بهم سبحانه حول البحر من ماء إلى جبل، فمن الملك؟ من العظيم؟ من القوي؟ من مالك الملك؟

سبعة مشاهد وسبع قيم وسبعة معان كبيرة، وبهذا نكون قد لخصنا النصف الأول من حياة سيدنا موسى من المولد وحتى نجاته من فرعون وتحرير بني إسرائيل، والقيم مرة أخرى هي:

1- التوكل على الله.

2- نصرة الضعيف.

3- كن مرنًا مع ظروف الحياة.

4- تحرك واعمل حتى يختارك الله.

5- التوازن بين الشجاعة والحكمة.

6- عش للحق ينصرك الله الحق.

7- استشعر عظمة وقدرة الله.

P1 P2P3

P1P2P3

التصنيفات:قصص القران (2) الوسوم:

قصص القران 2- الحلقة الرابعة والعشرون

سبتمبر 18, 2009 أضف تعليقاً

( الحلقة الرابعة والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الأيام تمر ونحن نقترب الآن من نهاية رمضان، يارب نكون قد أدركنا ليلة القدر، يارب يكون قد تقبلنا الله. رمضان شهر غالٍ جدا، لا تتهاون بالأيام القليلة القادمة فمن المحتمل أن يعتقك الله في هذه الأيام القليلة القادمة، من المحتمل أن الله يريد منك التذلل والخضوع والإلحاح في الدعاء ويعتقك في آخر ليلة من ليالي رمضان فلا تمل، إن بابًا يُطرق بشدة لابد وأن يُفتح، فاطرق على الأبواب. سيقوم رمضان بإمدادك بقوةٍ للعام القادم فيجب أن تأخذ الطاقة والقوة للعام القادم، فيجب أن تزيد أكثر وأكثر من قراءة القرآن والدعاء فنحن نحتاج طاقة رمضان لكي تعيننا على العام القادم فإن رمضان محورٌ ومركزٌ وحدثٌ كبير، كان الصحابة يدعون لمدة ستة أشهر: “اللهم بلغنا رمضان” وبعد رمضان يدعون ويقولون “اللهم تقبل منا رمضان”، فلا تضيعه ولا يفوت منك منه ولو آخر ثانية.

القيمةالأولى: صلة الأرحام بين الأخوات

إن صلة الأرحام تعني عندنا الأعمام والأخوال والعمات والخالات دون أن نتذكر أنها تشمل أيضًا علاقة الأخوّة، بل إن الأخوّة أصلٌ من أصول صلة الرحم فهناك بعض الإخوة يعيشون في بيتٍ واحد ولكن لا أحد يشعر بالآخر، كان هناك شابًا عمره 18 عامًا قد مات أخوه في حادث سيارة فبعد موته دخل أخوه الغرفة ونظر إلى صورته وقال أنا لم أعرفك ولم أكن قريبًا منك وبكى كثيرًا. هل تريد العتق في رمضان؟ هل تريد مغفرة الله؟ هل تريد أن تبلغ ليلة القدر؟ كيف هي العلاقة بينك وبين إخوتك؟ يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “إن الرحمة لا تتنزل على قومٍ بهم قاطع رحم”، فهل تتشاجر مع أخيك؟ هل تمنع أولادك من زيارة أخيك؟ يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “صلوا رحمكم ولو بالسلام” ويقول أيضًا: “وليس الواصل بالمكافئ ولكن من إذا قطعه ذو رحمه وصله” أي أن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها، يعني أن الواصل الذي يصل الرحم المقطوعة وليس الذي لو أن أحدًا من أقاربه كلمه بالهاتف رد هذه المكالمة. صلوا أرحامكم قبل أن تفقدوا الأحباب وتموت العمة والخالة فتندموا بعد ذلك، يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “إن الله خلق الخلق. حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة. قال: نعم. أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك “، كذلك عندما يصل الناس إلى الصراط ومن تحته النار فتقف كلا من الأمانة والرحم على جنبيه وتقولا لكل من يريد أن يمر لا تمر حتى يقضي الله فيك وتعطينا حقنا، أي أن قاطع الرحم هذا سيظل منتظرا حتى يقضي الله بين الخلائق. لذلك لا تترك أحدًا يغتاب أخاك، بل يجب الود والحب بين الإخوة.

لقد ساند سيدنا موسى طيلة حياته، فعندما يكون هناك اثنان رفقاء عاشا رسالة مع بعضهما وعندما يموت أحدهما فاعلم أن نهاية الثاني قد اقتربت، فكأن وفاة سيدنا هارون تعني قرب وفاة سيدنا موسى، فهم رفقاء في الدنيا والآخرة فسيدنا هارون في السماء الخامسة وسيدنا موسى في السماء السادسة، إن سيدنا موسى قد أعطى أفضل هدية لسيدنا هارون فقد دعا الله سبحانه وتعالى أن يكون سيدنا هارون نبيًا وقد قبل الله أن يكون نبيًا، أما سيدنا هارون فقد ساند سيدنا موسى، فأفضل شىءٍ في الدنيا أن تكون العلاقة تبادلية، هذه هي صلة الأرحام، فيجب أن تسأل نفسك هل تحب أخاك؟ لا تتكبر ولا تقول أن به صفاتًا سيئة بل تسامح معه.

القيمة الثانية: التفكر في خلق الله

التفكر في خلق الله من أعظم العبادات وأعز القيم فتفكر ساعة في عظمة الله خيرٌ من عبادة سنة بلا عقل وبلا فكر. التفكر هو نور الإيمان، التفكر هي العبادة التي أصبح بها النبيّ صلى الله عليه وسلم نبيًا في غار حراء وهي العبادة التي أصبح بها سيدنا موسى نبيًا وهو في مدين، وهي التي تمَّ تأهيل سيدنا إبراهيم أبي الأنبياء بها لكي يكون نبيًا  {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} (الأنعام:75) والتفكر هو الذي يجعل الإيمان عميقًا في القلب والعقل.

البتراء منطقة ساحرة:

لا نعرف على وجه الدقة أين توفيَ سيدنا هارون لكنه توفي في منطقة البتراء بالأردن. إن هذه المنطقة معجزة من معجزات الكون، فنحن دائمًا نظن أن المناظر الطبيعية تكون في الخضرة والشلالات فقط بل إن البتراء بها تكوينات جبلية نادرة تجعلك تقول “سبحان الله!” و”سبحان الخالق!”، فالبتراء منطقة جميلة تجعلك تسبِّح الله طيلة الوقت فالبتراء منطقة رائعة غير عادية بالرغم من أنها صحراء. فنحن بين معنيين: المعنى الأول هو وفاة سيدنا هارون رفيق العمر الذي ساند سيدنا موسى والمعنى الآخر هو التفكر في خلق الله.

لذلك يجب عليكم صلة الأرحام لأن الرحمة لا تنزل على قاطع رحم فيجب ألا تقطع رحمك بعد أن ترى رفيقي العمر سيدنا هارون وسيدنا موسى، وأثناء ذلك تفكروا في خلق الله ويارب كل واحد يجمع شمل إخوته وعائلته.

سيدنا هارون له علاقة حميمة فريدة بسيدنا موسى فهي أعظم وأقوى علاقة بين أخوين في التاريخ فإن القرآن قد أثنى على هذه العلاقة، لا نعرف على وجه الدقة مكان دفن أي نبيٍّ سوى النبيّ صلى الله عليه وسلم أما بقية الأنبياء فنعرف فقط المكان؛ فإن سيدنا إبراهيم قد مات في الخليل وسيدنا موسى في جبل نيبو وسيدنا هارون في البتراء، هذه المدينة الساحرة بالصخور العجيبة وسط الصحراء ففي هذا المكان مات سيدنا هارون.

أعظم علاقة أخوّة في التاريخ:

أقوى علاقة بين أخوين في التاريخ هي علاقة موسى وهارون، وأقوى علاقة أخوّة ذُكرت في القرآن هي علاقة موسى وهارون، وأسوأ علاقة أخوين في القرآن هي علاقة قابيل وهابيل وكأن القرآن يريك علاقات الأخوّة من أولها إلى آخرها، من أعلى درجة إلى أسوأ درجة. أي علاقة بين اثنين تكون علاقة تبادلية وتكاملية ليس فقط تبادلًا ماديًا بل تبادلًا روحانيًا، فإن سيدنا موسى أعطى سيدنا هارون أعظم هدية وهي النبوة فقد دعا وقال {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي…} (القصص:34) ويقول الله سبحانه وتعالى {وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا} (مريم:53)، أيضًا أعطى سيدنا هارون سيدنا موسى المساندة فقد سانده ووقف إلى جانبه أمام فرعون، فهي أعظم علاقة أخوين فقد أثنى القرآن على هذه العلاقة في سورة الصافات قائلًا: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ {114} وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ {115} وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ {116} وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ {117} وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ {118} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ {119} سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ {120} إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ {121} إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ {122} (الصافات) فهي أقوى وأجمل علاقة أخوّة.

مراحل علاقة سيدنا هارون بسيدنا موسى:

لم تبدأ هذه العلاقة مرة واحدة بل كانت على مراحل حتى وصلت لهذه الدرجة الوطيدة القوية، فمراحل هذه العلاقة كالآتي:

المرحلة الأولى: كان هارون يزور سيدنا موسى في قصر فرعون على أنه ابن مرضعته.

المرحلة الثانية: عرف سيدنا موسى أن المرضعة أمه وهارون أخوه فهو شقيقه من دمٍ واحد وروحٍ واحدة، وقد كان سيدنا هارون دائمًا يقول {يَا ابْنَ أُمَّ} (طه:94) لأنه يشعر بأصل هذه العلاقة.

المرحلة الثالثة: الأخ الصديق- فقد بدأ سيدنا موسى يحكي لسيدنا هارون مأساة بني اسرائيل ويشكو له همه.

المرحلة الرابعة: انتقلت من علاقة الأرحام إلى علاقة الأخوّة في الله، يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم “ما تآخى اثنان في الله إلا كان أحبهما إلى الله أكثرهما حبًا لصاحبه” ويقول أيضا  “من أحب أخًا في الله رفعه الله درجة في الجنة ما بين الدرجة والأخرى كما بين الأرض والسماء لا ينالها بشئٍ من عمله”، يقول الله في الحديث القدسي وجبت محبتي للمتحابين في وينادي الله في الحديث القدسي ويقول أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلَّ إلا ظلي“، فقد كانا يعبدان الله سويًا لذلك ارتقت العلاقة من أخوّة الدم إلى الأخوّة في الله. يقول سيدنا موسى {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} (طه:33-34) ويقول الله {قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} (يونس:89) فقد كانا يعبدان الله سويًا ويذكران الله سويًا لذلك تحولت العلاقة إلى أخوّة في الله.

المرحلة الخامسة: شركاء في رسالةٍ واحدة وهي إصلاح بني إسرائيل {وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي} (طه:32)، فقد ارتقيا حتى أصبحا شركاء رسالة فيجب أن تقوموا بتقوية علاقاتكم بإخوتكم وأقاربكم.

عطاء وإخلاص سيدنا هارون:

سيدنا هارون كان يعطي ولا يأخذ ولا يعترض ولا يحتج، بل كان دائمًا سندًا لسيدنا موسى {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ…} (القصص:35) فكثيرٌ من الناس لا تقبل دور الرجل الثاني وآخرون يقبلون دور الرجل الثاني ويكون بداخلهم حرجٌ ما، فلا يقبل شخص دور الرجل الثاني بهذه الصورة إلا المخلص! فعندما ترك موسى بني إسرائيل وذهب لميقات ربِّه لمدة أربعين يومًا رفضوا أن يطيعوا أمر سيدنا هارون {قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} (طه:91) لأنهم كانوا يتعلقون بشخصٍ وليس بفكرة، كانوا يتعلقون بالقائد رقم واحد الذي رمى العصا ووقف أمام فرعون، أما سيدنا هارون فقد كان مخلصًا ومؤمنًا بهذه الرسالة فقاد دور الرجل الثاني بلا احتجاج وبلا اعتراض وبلا مشاكل، لذلك فقد تقاربا في المنزلة فمنزلة سيدنا هارون في السماء الخامسة وسيدنا موسى في السماء السادسة، نال سيدنا هارون هذه المنزلة لأنه شديد العطاء والإخلاص، فقد كان بنو إسرائيل يعلمون أن سيدنا هارون هو الرجل الثاني لذلك كانوا يحاولون الإيقاع  بينه وبين سيدنا موسى فقالوا إن موسى لم يأخذ سيدنا هارون معه لميقات ربِّه لأنه يغار منه ولأن رب موسى يحب هارون أكثر من موسى، أيضًا عندما عاد موسى ورأى القوم يعبدون العجل قالوا له إن سيدنا هارون هو الذي  أمرهم أن يعبدوا العجل فقد قالوا ذلك للإيقاع بينهم، ولذلك فقد كان القرآن واضحا لتبرئة هارون من الافتراء الكذب، وعندما رجع سيدنا موسى وأخذ بلحية سيدنا هارون وقال له {أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} (طه:93) فأجاب سيدنا هارون {قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} (طه:94) وقال في آية أخرى {…قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء…} (الأعراف:150) فهذا يدل على أنه شديد الحنان والعطاء.

ذكريات سيدنا موسى وسيدنا هارون:

فذكريات سيدنا موسى وهارون ذكرياتٌ شديدةُ الجمال فقد وقفوا أمام فرعون سويًا وانتصروا سويًا وفرحوا سويًا وبكوا سويًا وعبدوا سويًا وسبحوا سويًا وقاموا بهداية الناس سويًا.

ما هي أحلى لحظة بين سيدنا موسى وسيدنا هارون؟ عندما رجع سيدنا موسى من الطور وبشَّر سيدنا هارون أن الله قبل أن يكون نبيًا.

ما هي أصعب لحظة؟ عندما وقفوا أمام فرعون سويًا

ما هي أقوى لحظة؟ عندما وقفوا أمام السحرة سويًا

ما هي أعزّ لحظة؟ عندما عبروا البحر سويًا

هذه قصة أخوّة نادرة في التاريخ وبطلها مع سيدنا موسى سيدنا هارون فهو البطل المخلص في الصفوف الخلفية بلا غيرة، وتظل هذه الذكريات حتى يموت سيدنا هارون، فآخر لقطة عندما قال الله لهم {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ…} (المائدة:21) فقال كلُّ بني إسرائيل {…إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} (المائدة:24) فبدأ يقل عدد المقبلين على القتال حتى وصل إلى موسى وهارون فقط، فقال سيدنا موسى {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المائدة:25).

وفاة سيدنا هارون:

يموت سيدنا هارون ويدفنه سيدنا موسى بيديه فقد كان رفيق العمر والإصلاح والرسالة.  إن معنى وفاة سيدنا هارون هو قرب أجل سيدنا موسى لأنهم شركاء في الرسالة. مات سيدنا هارون ودُفن في البتراء، فالبتراء بها جبلين عملاقين وبينهما شقٌّ طوله ما يقرب من نصف كيلو والجبلان متلاحمان ومتناسقان فلعل هذا المكان له شكل بين علاقة موسى وهارون ولعل الجبلين العملاقين هما موسى وهارون وعلاقتهما متلاحمة كتلاحم الجبلين لأن هذه هي شكل العلاقة بينهما.

يقال أن سيدنا هارون دُفن في هذا المكان المتسع في نهاية الممر بين الجبلين المتعانقين بعد الخروج فورًا من الجبلين، فهو بين أحضان خمسة جبال ويقال أن هذا المكان اسمه “خزنة فرعون”، هذا شىء رهيبٌ وجميلٌ فسبحان الله.

P1 P2P3

P1P2P3

التصنيفات:قصص القران (2) الوسوم:

قصص القران 2- الحلقة الثالثة والعشرون

سبتمبر 18, 2009 أضف تعليقاً

( الحلقة الثالثة والعشرون)

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ليكن لنا وقفة نكسر بها تسلسل الأحداث في قصة سيدنا موسى ولِنذهب اليوم بعيدًا قليلا عن أحداث القصة وتسلسلها – وإن كنا مازلنا نتحدث عن قصة سيدنا موسى- إلى أسئلة حول القصة، فقد وردت إليّ أسئلة كثيرة منكم مما يدل على حجم التفاعل الكبير على الإنترنت سواء على www.amrkhaled.net أو على الفيس بوك مما دفعنا إلى الرد على أسئلة الناس وتعليقاتهم الجميلة العميقة إضافة إلى مقترحاتهم بعد رمضان، فجزاكم الله خيرًا. وقد قمنا باختيار ستة عشر سؤالا للرد عليها.

السؤال الأول:

ما هو اسم أخت سيدنا موسى؟ عند استعراض شجرة العائلة قلت إن أخت سيدنا موسى تسمى مريم وإنها ابنة عمران، فهل السيدة مريم العذراء هي أخت موسى؟

بالطبع لا، وذلك لأن الفرق بين سيدنا موسى وسيدنا عيسى ما يقرب من 1200 سنة، وبذلك فالفرق بين السيدة مريم ابنة عمران العذراء أم سيدنا عيسى (عليه السلام) ومريم ابنة عمران أخت سيدنا موسى 1200 سنة، ولكنهما تحملان الاسم نفسه؛ فهذه مريم ابنة عمران أخت موسى وهذه مريم ابنة عمران أم عيسى. أريد أن أضيف أن هناك احتمالا واردًا أن يكون وراء تشابه الأسماء أن أم السيدة مريم العذراء قد أسمتها بهذا الاسم خلفًا لمريم أخت موسى وذلك لأن مريم أخت موسى كانت مشهورة  في بني إسرائيل وكانت لديهم بمثابة البطلة وصاحبة الموقف، فقد أنقذت أخاها ووقفت أمام فرعون ودخلت قصره وقالت “…هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ…” (القصص:12)، فقد تكون أم مريم العذراء وجدة عيسى (عليه السلام) قد تمنت بعد وضعها حملها أن تصبح ابنتها هذه كمريم أخت موسى فأسمتها مريم.

السؤال الثاني:

لقد ذكرت في الحلقات أنه أثناء التقاط آل فرعون لسيدنا موسى من التابوت قالت آسيا لإقناع فرعون “…قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا…” (القصص:۹) وذلك لأنهما لم يرزقا بالأولاد، وفي الوقت نفسه قلت إن رمسيس الثاني هو على الأرجح فرعون موسى على الرغم من اختلاف الآراء، والثابت تاريخيا أن رمسيس الثاني قد أنجب عددًا كبيرًا من الأولاد بل وفي بعض الروايات ذكر أنه أنجب فوق الـ 100 ولد، فكيف يكون فرعون موسى؟

هذا صحيح، وقد يثبت هذا السؤال أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى لأن رمسيس الثاني وآسيا لم يرزقا بالأولاد حتى الفترة التي ولد بها سيدنا موسى ثم كثرت زيجاته لاحقًا وأنجب العديد من الأولاد في الفترة بعد ولادة موسى، وكأن هذا من تقدير الله سبحانه وتعالى وهو أن يبقى فرعون وآسيا بلا أولاد حتى قدوم موسى عليه السلام فيسهل هذا على فرعون عدم قتله وقبوله واستجابته طلب آسيا. بعد موسى حُرمت آسيا من الأولاد حتى تظل متعلقة بهذا الرضيع، أما فرعون فقد أنجب الكثير حتى ينشغل بأولاده الآخرين عن موسى ابنه بالتبني، وعندما يبلغ موسى أشده تسنح الفرصة له أن يلتقي ببني إسرائيل وأن يصل لأمه دون أن يراقبه فرعون مراقبة شديدة، فسبحان الذي يعطي ويمنع “…يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا…” (الشورى: 49-50)، فيا محرومون من الأولاد ويا من رزقتم بهم تعلموا من قصة سيدنا موسى أن الله يهب الأولاد ويمنع لحكمة كبيرة وعظيمة، فارضوا بقضاء الله.

السؤال الثالث:

لقد أرسل أحدهم فكرة جميلة قائلا: لقد قلت إن حياة سيدنا موسى مقسمة إلى أربع مراحل:

المرحلة الأولى: إعداد في مصر حتى سن الـ30.

المرحلة الثانية: إعداد في مدين من سن الـ30 وحتى سن الـ40.

المرحلة الثالثة: تنفيذ المهمة الأولى وهي مواجهة فرعون من سن الـ40 وحتى سن الـ55.

المرحلة الرابعة: موسى وبنو إسرائيل خارج مصر بعد النجاة وغرق فرعون، ومحاولة سيدنا موسى إصلاح بني إسرائيل من سن الـ55 وحتى سن الـ70 تقريبًا، وبما أن قصة سيدنا موسى ذكرت في50 سورة في القرآن، فهل من الممكن ترتيب الآيات على المراحل حتى تتضح لنا الصورة بشكلٍ كاملٍ وكأننا نرى مشهدًا متسلسلا كما قصصته أنت؟

لقد ساعدنا الأستاذ وسيم المغربل في هذا الأمر كما ساعدنا في البرنامج من قبل، فقسمنا الآيات حسب المراحل وعرضناهم على www.amrkhaled.net بحيث تقرأ الآيات متسلسلة حسب المراحل، كان هذا اقترحًا ذكيًا من أحد الشباب.

السؤال الرابع:

ما هي مراجع القصة أو ما اعتمدنا عليه عند رواية القصة؟

لن أستطيع أن أسرد لكم الآن أسماء كل المراجع حيث إن عددهم يفوق الـ70 مرجعا، إليكم بعضها:

من أهم الكتب كتب التفسير، وأنصحكم ضمن هذه الكتب بكتاب “التحرير والتنوير” لابن عاشور فهو عالم كبير من تونس فبكتابه معانٍ رائعة، وتفسير الشيخ الشعراوي، وكتب د. راتب النابلسي، وكتب أ. وسيم المغربل والمهندس مازن السيد فكلها كانت عونًا لنا.

أما عن الكتب التي تحتوي على معلومات تتعلق بمصر القديمة والفراعنة، إلخ، فإليكم كتاب د. سليم حسن عالم المصريات العظيم فقد قام بتأليف موسوعات كبيرة عن مصر القديمة وكتبا رائعة تحتوي على الخرائط التي استعنَّا بها وتجدون كتبه تباع في الأسواق إلى الآن. كذلك لا أنسى كتاب أ. محمد عبد الرازق الجويلي وهو مهندس مصري ألف كتابًا رائعًا يثبت فيه بأدلة تاريخية وفلكية قاطعة أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى وقد بذل به مجهودًا كبيرًا. ولأكون صادقًا معكم فربط القصة بالواقع وربطها بقيمة من بالقيم التي نحتاجها اليوم ليس موجودًا بالكتب وإنما هو اجتهاد شخصي كما هو اجتهاد الفريق القائم بالعمل، وأرى أن هذا أغلى وأهم ما في الأمر كما تقول الآية: “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (يوسف:111)، إنها ليست حواديت أسطورية وخيالية، وما بين يديه (يدا النبي) أي القرآن مليء بالقيم الأخلاقية لإصلاح الحياة فجاءت قصة سيدنا موسى لتطبيق تلك القيم ومصدقة لها، ولذلك فمن يعترض أننا تناولنا قصة سيدنا موسى دون غيرها فليعترض على القرآن لا علينا.

السؤال الخامس:

ظل سيدنا موسى في مدين عشر سنوات بعدما قتل رجلا وأصدر فرعون قرارًا بقتله ثم عاد سيدنا موسى إلى مصر، فلماذا لم يقتله فرعون فور عودته أو يسجنه؟ ولماذا أمهله حتى أصبح سيدنا موسى في وضعٍ أقوى؟

يجب أن نلاحظ نقطتين هنا الأولى: هي أن سيدنا موسى بادر بالذهاب مع هارون إلى فرعون، فالمبادرة هنا نصف المكسب والنصف الآخر يكمن في الحكمة، فالمبادر دائمًا يكون الفائز ومن هو في رد الفعل يكون خاسرا دائمًا، فهل يا ترى المسلمون مبادرين أم في موقف رد الفعل؟ هل الأمة مبادرة فتتجنب الطعنات والفتن أم هي دائمًا في موقف رد الفعل؟ النقطة الثانية: جزء من نجاح سيدنا موسى مبادرته والجزء الآخر هو غرور فرعون فقد منعه غروره من قتل سيدنا موسى على الفور وقد قَبِلَ الحوار معه من باب التسلية وبيان القدرات الفكرية، عندما لم يغلب فرعون موسى في الحوار الفكري أصبح من الصعب عليه قتل موسى لتأثر الناس به وظن الناس فيه أنه سيكون ضعيفًا إن قتله، وكلما انتصر سيدنا موسى في موقف من المواقف أصبح من الصعب على فرعون قتله حتى إنه عندما قال فرعون: “…ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى…” (غافر:26) قال له مؤمن آل فرعون ما قال فجعل قتل موسى أكثر صعوبة عليه، حتى قرر فرعون قتل موسى وبني إسرائيل كلهم فكان نتيجة ذلك الغرق. يلاحظ هنا أن فرعون حاول قتل سيدنا موسى أكثر من مرة.

وبمناسبة هذا السؤال، فلنعلم أن الله قد قام بحماية سيدنا موسى من فرعون خمس مرات:

الأولى: بالحب وكان مازال رضيعًا “…قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا…” (القصص:9)

الثانية: عندما خرج رجل من المصريين من ذوي الشهامة من قصر فرعون ليبلغ موسى برغبة فرعون في قتله.

الثالثة: عند عودة موسى إلى مصر ومبادرة موسى بالحوار مع فرعون ومنع غرور فرعون نفسه من قتله.

الرابعة: يوم السحرة حيث كان فرعون يريد قتل موسى ولكن بإيمان السحرة لم يُقتل.

الخامسة: عندما قال فرعون “…ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى…” (غافر:26)، قيَّد الله له رجلا مؤمنًا لحمايته، فقد نجَّى الله سيدنا موسى خمس مرات بخمسة أسباب بشرية مختلفة على أيدي مصريين ما عدا يوم الغرق، ليت المصريون  يعلمون قيمتهم في القرآن وفي قصة سيدنا موسى.

السؤال السادس:

كيف أتابع حلقات قصص القرآن بعد رمضان؟

أولاً، يمكنك تحميل الحلقات عبر موقع www.amrkhaled.net .

ثانيا، عن طريق اليوتيوب حيث أصبح هناك قناة خاصة تسمى قناة عمرو خالد بها الحلقات بجودة

عالية، كما ستتوفر الحلقات بعد رمضان على هيئة أقراص فيديو ممغنطة (دي في دي) مصحوبة

بترجمة إنجليزية لمن أراد أن يهدي الحلقات لأي شخص بالعالم، كما إنها سوف تتوفر في هيئة كتاب

مطبوع.

السؤال السابع:

وهو سؤال بالغ الأهمية قد تكلمنا فيه في الحلقة رقم 3 هل يصح لنا أن نتعاطف مع بني إسرائيل عندما كان يقوم فرعون بقتلهم؟

نحن المسلمين لدينا مقياس وتصرف واحد ثابت لا يتغير تجاه المظلوم أيًّا كان وهو أننا نقف بجانبه، فإن كان المظلوم منذ 3000 عام هم بنو إسرائيل الذين قال القرآن عنهم إنهم يُذبَّحون فنحن معهم، وإن كان المظلوم الآن هم إخواننا في فلسطين وأن الظالم الآن – وهذا العجيب في الأمر- هو الذي ظُلِم منذ 3000 عام ويظلم بالطريقة نفسها التي ظُلِم بها فكما ذُبِّح أولاده يقتل أمثال محمد الدرة، فموقفنا ثابت، نحن مع المظلوم في كل زمان ومكان وهذا من قيم الإسلام وعدله ورحمته، قال الله تعالى: “…وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (المائدة:8)، بل إن هذا المعنى يزيد من علو مكانة المسلمين في العالم أجمع بأننا لسنا عنصريين.

السؤال الثامن:

هل كان سيدنا موسى على اتصال بأهله مثل أمه أو أخيه هارون عندما ترك مصر إلى مدين لمدة عشر سنوات؟

لا يوجد في الكتب أو التفاسير أو الآيات ذكر لهذا الأمر لكن يبدو أنه كان على اتصال بهم لأن ثمة آية قرآنية تشير إلى ذلك؛ فعندما كلم موسى ربه عند جبل الطور قال: “…فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ” (الشعراء: 13) وقال: “وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي(القصص:34)، فإذا لم يكن سيدنا موسى على اتصال بهم لما قال ما قال ولكن كان سيسأل عن أحوال أخيه أولا، فعند تكليف الله له بالرسالة قال من فوره “قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* (طه:25-32) فالقرآن لا يذكر لك كل الأمور ولكنه يرسل لنا إشارات دون أن يغير الأحداث ويترك مساحة للعقل لكي يتخيل ويفكر فيما بين الأحداث. وقد يكون سيدنا موسى على اتصال بهم بإرسال المراسيل عن طريق المسافرين عبر الصحراء خاصة وأن مدين كانت خارج سيطرة فرعون.

السؤال التاسع:

أين المرأة في قصة سيدنا موسى؟

هناك أربع سيدات في حياة موسى وكلهن أنقذنه: أمه وأخته وآسيا فقد أنقذنه في مصر من الموت، بالإضافة إلى زوجته التي أنقذته في مدين من الوحدة. سبحان الله، لاحظ أن هذا النبي العظيم وهو من أولي العزم من الرسل قد ساندته المرأة في مراحل مختلفة من حياته. كم هي المرأة عظيمة! وكيف أننا في العالم العربي لا نلاحظ رفع القرآن لقدر المرأة؟! تحيط المخاطر بالقصة فسكينة الذبح كانت على رقبة سيدنا موسى منذ المولد وحتى الوفاة، فيجب إذًا ألا تظهر المرأة ولكننا نجد أنها هي التي ظهرت وأنقذته وسط هذه المخاطر الصعبة فأحيانًا تكون المرأة هي التي تقف وتساند وتشجع وتحمي كما فعلت السيدة خديجة مع النبي (صلى الله عليه وسلم) وكما كانت السيدة سمية أول شهيدة في الإسلام، وكما كانت أم حرام بنت ملحان أول شهيدة في أوروبا. لو تتبع المرأة في القرآن تعرف أن ما يقال عن الإسلام الآن من إنه يظلم المرأة ليس إلا كذبًا. إذا كان هناك ظلمًا واقعًا على المرأة في العالم العربي فإياكم أن تدعوا أن هذا هو الإسلام، قد يتردد هذا باسم الإسلام ولكنه بريءٌ منه، فحال المرأة في العالم العربي كحال المارد حبيس الزجاجة الذي ينتظر الفرصة كي ينطلق ليبدع ويضيف في إصلاح المجتمع، إلخ.

ليس معنى كلامي هذا أنني أدعوا لتحرير المرأة بمعنى انطلاقها وتركها لبيتها ودينها وإيمانها، فانظر إلى نموذج الأم هنا وفي سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وكيف أنها تجمع بين النجاح في الحياة وأمومتها والتمسك ببيتها! فهي ناجحة وفي الوقت نفسه مؤمنة وعابدة، لذلك فسيدتا نساء العالمين هما خديجة وآسيا؛ فالسيدة خديجة أم قامت بتربية سيدنا علي كما قامت بتربية السيدة فاطمة وهي في الوقت نفسه سيدة أعمال ناجحة وأيضًا عابدة مؤمنة؛ فهي أول من سجد لله مع النبي (صلى الله عليه وسلم)، أما السيدة آسيا فهي أم سيدنا موسى وقفت بجانبه وساندته وهي التي عاشت في قصور فرعون القائل: “…أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي…” (الزخرف:51) فتقول: “…رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ (التحريم:11) فهي لا تريد كل هذا الملك وتكون من الظالمين، كما طلبت بيتًا وليس قصرًا كما طلبت جوار الله في الفردوس الأعلى عند عرش الرحمن قبل أن تطلب البيت وذلك بقولها: “عِنْدَكَ“.

لاحظ أن آخر أولي العزم من الرسل  سيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا محمد قد قامت بتربيتهم امرأة؛ فسيدنا محمد توفي والده، وسيدنا عيسى ولد من أم بلا أب، وسيدنا موسى قامت أمه بتربيته، وكأنه من الممكن الاستغناء عن الأب لكن لا يمكن الاستغناء عن الأم لكي يصير المرء إنسانًا عظيمًا. هناك ملحوظة أخرى وهي أن أم موسى قامت بتربية 3 من الأبناء؛ موسى وهارون ومريم وهي المرأة الوحيدة التي ذكر أولادها في القرآن-موسى وهارون بأسمائهم ومريم بفعلها- وذلك لأنها اتخذت نية جادة في تربيتهم.

السؤال العاشر- انتقاد:

لقد قصَّرت في حق آسيا في الحلقات فلم توفها حقها كاملاً!

صحيح، لقد قصَّرنا في هذا الجانب ولعل كلامي عن السيدة آسيا الآن تعويضًا عن هذا التقصير.

السؤال الحادي عشر:

أين والد موسى في القصة؟

لم يذكر والد سيدنا موسى في القرآن على الإطلاق، وقد يكون قد تُوفي وموسى ببطن أمه أو تُوفي في أوائل مراحل نمو موسى فقد جاء التركيز في القصة على أمه، في حين إن التركيز في قصة سيدنا يوسف كان على الأب دون الأم، وليس معنى عدم ذكره أنه كان موجودًا دون أن يقوم بأي دور فقد يكون متوفَّى.

السؤال الثاني عشر:

لقد ألقت أم موسى سيدنا موسى في النيل خوفًا من قتل فرعون له وهو رضيع، فلماذا لم تفعل ذلك مع أخيه هارون؟ لماذا كان سيدنا موسى مهددًا بالقتل دون أخيه هارون؟

إن سيدنا هارون أكبر سنًّا من سيدنا موسى، ففي أغلب الأمر أن سيدنا هارون قد ولد قبل أن يرى فرعون الرؤيا التي اتخذ بناءًا عليها القانون والقرار بذبح أبناء بني إسرائيل، والله أعلم.

السؤال الثالث عشر:

ما هي عدد الختمات التي حققناها حتى الآن؟

كما تعلمون أننا نقوم بشن حملة لختم القرآن وقد تجاوزنا عدد المليون خاتمة ولله الحمد، وهذا ليس العدد النهائي حيث إننا نصور هذه الحلقة ونحن مازلنا في رمضان وبعد النصف الأول منه فقط. كان هدفنا 10 ملايين خاتمة قرآن ولكن إن لم نحققه فقد حققنا مليون خاتمة نقابل بها الله ونبيه يوم القيامة ويغفر لنا بها.

السؤال الرابع عشر:

وهو أجمل تعليق سمعته حول البرنامج من دكتور بجامعة الملك عبد العزيز في المملكة العربية السعودية يقول فيه: “هل سمعتم عن أتباع دين من الأديان يجتمعون بالملايين لمدة 30 يومًا بشغف واهتمام وحب يسمعون قصة نبي وأتباع دين آخر؟” ويضيف: “أنا لم أر من فعل ذلك غير المسلمين، يسمعون قصة موسى عليه السلام”. ندرك أنا وهو أن سيدنا موسى نبينا جميعًا وأن “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ…” (آل عمران:19) منذ زمن سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، كما أننا نحب سيدنا موسى؛ لأنه نبينا ولأنه مذكور في القرآن بهذا الحجم، ولأن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (أخي موسى) ولأن القرآن كان يتنزل على النبي (صلى الله عليه وسلم) ليثبته بآيات وقصة من قصص سيدنا موسى، فنحن نفهم هذا الترابط والتشابك ومؤمنون به. لكن الحقيقة هذا التعليق موجها للغرب، تخيل معي عندما يعلم الغرب أن المسلمين – وقد قُدِّر عدد مشاهدي الحلقات بحوالي 40 مليون مشاهد يوميا- ظلوا لمدة 30 يومًا يستمعون لقصة عن نبي بني إسرائيل – موسى (عليه السلام) فهم لا يستوعبون أن سيدنا موسى نبينا- فيصبح كل ما يتهم به المسلمون من انغلاقهم وعدم تعايشهم كذب، ويكون هذا دليلا على سماحة الإسلام وعلى عرض القرآن الجميل لسيدنا موسى.

السؤال الخامس عشر:

أين تم تصوير الكثير من الحلقات التي شاهدناها؟

لقد تم تصوير الكثير من الحلقات في الأردن، وتم تصوير حلقة “السحرة ويوم الزينة” بالمسرح الروماني بالبتراء في الأردن، وإني لأشكر الأردن جزيل الشكر على كل ما أتيح لنا أن نصوره هناك وعلى الأماكن العظيمة بها. أما عن التصوير قرب النيل فلن نذكر الأماكن تحديدًا ولكنها أماكن مختلفة عند النيل.

السؤال السادس عشر والأخير:

هل كان التصوير عبارة عن ديكور حقيقي أم أنها تقنية معينة تم استخدامها؟

لم يكن التصوير بديكور حقيقي ولم تكن تلك المعابد معابد حقيقية وإنما تقنية حديثة مستخدمة تسمى بالـvirtual studio قام بها مجموعة من المهندسين المتميزين للغاية والذين أقدم لهم جزيل الشكر كما أشكر من قام بإخراج البرنامج بهذه الجودة العالية، وأشكر الأستاذ هشام سليمان على الجهد الكبير الذي بذله وأشكر المخرج الأستاذ محمد بيازيد وعلى رؤيتهما الجميلة فقد خرج هذا العمل بسبب هؤلاء فجزاهم الله خيرًا.

قبل الختام، أريد أن أوصيكم بأن تجتهدوا في العشر الأواخر فبها الثواب الكبير، وبها ليلة العفو من الله عز وجل، وبهم “لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” (القدر:3) فحسنات هذه الليلة أكثر من ألف شهر أو 84 سنة من الحسنات، وكأن عبادتك وصلاتك في هذه الليلة توازي صلاتك لمدة 84 سنة.

لعل الله جامعُنا بكم على خير ويتقبل منكم، اجعلوا هذه الليلة ليلة عبادة وذكر وقيام ودعاء ومسامحة للناس، اعفوا عن الناس كي يعفو الله عنكم.

P1 P2P3

P1P2P3

التصنيفات:قصص القران (2)

قصص القران 2- الحلقة الثانية والعشرون

سبتمبر 13, 2009 أضف تعليقاً

( الحلقة الثانية والعشرون )

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

العنصرية بين الأسباط:

بدأ بنو إسرائيل يستوطنون ويستقرون ويعيشون في صحراء النقب والأردن. وقسموا إلى اثنتي عشرة قبيلة. ولكن يبدو أنهم غير متفقين وغير متحدين، ولذلك كان لكل قبيلة عين مياه وغمامة خاصة بهم. وسيدنا موسى يعلم جيدًا أنه لن يستطيع أن يوحدهم جميعًا؛ لأنه واقعي ويعرف طبائعهم، لذلك تعامل معهم على أن تعيش كل قبيلة بمفردها، فهو يحاول أن يُجمعهم بدون أن يحدث قتال أو تشابك بينهم. فهناك فرق كبير بينهم وبين المهاجرين والأنصار، فالأسباط لن يستطيعوا أن يندمجوا أو يتحدوا مع بعضهم أما المهاجرون والأنصار استطاعوا أن يتآلفوا ويندمجوا ويتحدوا في وقت قصير. وفي ذلك الوقت حدثت القصة “بقرة بني إسرائيل”  التي ذُكرت في القرآن، وسُميت بها أكبر وأول سورة في القرآن بعد سورة الفاتحة “سورة البقرة”. ونكمل القصة كي نعرف ماذا حدث بين الأسباط، وكيف حدثت فتنة كبيرة، ولماذا سُميت سورة البقرة.

صفات البقرة:

كان هناك رجل صالح فقير يعيش مع ابنه الصغير وزوجته، وكان لديه بقرة هي كل رأس ماله. كانت هذه البقرة لديها صفات خاصة ونادرة، وكان الرجل يعلم ذلك، فكانت صفات البقرة هي:

1. {… صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا … } (البقرة: 69) لونها أصفر مميز وجميل جدًا.

2. {… عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ … } (البقرة: 68) صغيرة في السن، فهي ليست عجوزًا ولا بكرًا.

3. {… لاَّ شِيَةَ فِيهَا …} (البقرة: 71) ومع لونها الأصفر الجميل ليست فيها أي خدوش أو تعريجات كأنها لوحة جميلة مرسومة.

قصة الرجل الصالح مع البقرة:

كان الرجل فقيرًا لا يمتلك من الدنيا شيئًا سوى هذه البقرة، ولم يكن لديه حقل كي تعيش فيه البقرة، فكان يعتني بها، لذلك كانت البقرة تعيش حياة رغدة غير قبيحة أو فاسدة، ووصى الرجل زوجته وابنه قبل أن يموت بأن لا يبيعوا هذه البقرة حتى تكبر، وعندما تكبر فليفعلوا بها ما يشاءون، وقال وهو يموت: “اللهم إني أستودعك هذه البقرة لابني؛ فاحفظها له يا رب العالمين”. الابن لن يُقدّر جيدًا قيمة البقرة، ولكنه بارٌ بوالده لأنه رجل صالح. انتبهوا من شيء عجيب! كلمة “الرجل الصالح” متكررة في القرآن مثل القصة التي نتحدث عليها، وقصة سيدنا موسى والخضر والأب الذي ترك لأبنائه الأيتام كنزًا، وقد حافظ الله عليه حتى بعد موته بسنين؛ لأنه رجل صالح. لاحظوا كل قصة أب صالح يموت ويحفظه الله بعد موته فيما يترك  تحدث مع بني إسرائيل، كأن الله يعلمهم عدم الذل والخوف. إذا كنت رجلًا صالحًا ومؤمنًا لا تخف، إن الله سيحفظ لأبنائك كل شيء.

بر الابن الصالح لوالده:

مات الرجل الصالح، وترك لابنه البقرة. وبدأ الابن الوفي ووالدته يعانون من حياة صعبة؛ لأنهم فقراء لا يملكون من الحياة سوى هذه البقرة، وظهر مُشترون يريدون شراء هذه البقرة. وأرادت الأم تحت ضغط الحياة الصعبة أن تبيع البقرة، فقال لها ابنها: “أنسيتِ وصية أبي؟!” فرفضت الأم أن تبيع البقرة، وعندما علم المُشتري ذلك ذهب إلى الابن وقال له: “أعطيك ألف دينار ثمن هذه البقرة؟” فرفض الغلام. فقال المُشتري: “أعطيك عشرة آلاف”، فقال له: “والله لو أعطيتني وزنها ذهبًا”، أرأيتم بر الابن لوالده حتى بعد موته؟ لدي نصيحة للأبناء الذين عندما يموت آباؤهم يبيعون العمارة التي دفع الأب فيها جميع أمواله كي يجمع العائلة فيها، والذين يبيعون المصنع الذي وصى الأب أن يكونوا شركاء فيه، والذين باعوا جميع أملاك والدهم. يا أبناء، إذا مات والدكم، وترك لكم وصية، فأكبر البر والوفاء أن توفوا بوصية والدكم. فالقصة الآن تنقسم إلى: ابن بار وأسرة وفية وأب صالح. ولكن القصة تظهر لك العكس تمامًا في نفس الأحداث كي ترى التناقضات.

الابن العاق والابن الصالح:

كبر الابن الصالح، ولكن كان في نفس الوقت شاب آخر في قرية أخرى في منطقة البتراء بمدينة الأردن حاليًا. وكانت كل قرية يعيش فيها سبط من الأسباط كما ذكرنا سابقًا، كان هذا الشاب عكس الابن الصالح تمامًا. كان هذا الشاب فقيرًا ومات والده، وكان لديه عم غني جدًا. وهذا العَم لديه فتاة، وبالتالي سيكون وريثًا لعمه. فكان عمه لا يعطيه أموالًا إلا قليلًا جدًا؛ لأنه رأى أنه شاب أهوج وطائش، لذلك كان يعطي له المال من وقت إلى آخر. ولكن الشاب لم يعجبه هذا، فكان هناك اختلاف في الصفات بين الشاب والابن الصالح؛ فالشاب أهوج وجشع وطماع وغير متأنِ وطائش، وكان الابن متأنِ بارًا بوالديه ويصل رحمه. بالرغم أنهم مشتركون في الفقر ووفاة الأب. وبدأ يفكر الشاب أنه وريث عمه، وإذا تزوج ابنته سيصبح غنيًا وسعيدًا، ولكن من الذي يقف أمام سعادته؟ عمه، ففكر أن يقتل عمه ثم يتزوج ابنته ويأخذ أمواله، لاحظوا الفرق، فالشاب قاطع لرحمه والابن بار بوالده، وهذه النوعيات ” البار والعاق” منتشرة في بلدنا.

خطة الشاب لقتل عمه:

وبدأت الفكرة تكبر عند الشاب حتى قرر أن يقتل عمه، ولكن كيف يقتله؟ فشريعة سيدنا موسى تقول: إن العين بالعين، والنفس بالنفس، فإذا قتل عمه سيُقتل، ففكر في حل آخر وهو أن يقتل عمه وتلصق عملية القتل في شخص آخر، ولكن كيف يفعل هذا؟ فخطر على باله فكرة عجيبة، فالأسباط الآن مختلفون مع بعضهم بعضًا، وكل قرية متشابكة ومختلفة مع غيرها، وإذا حدثت أي جريمة وأُلصقت بسبط آخر بقبيلة أخرى من قبائل بني إسرائيل الاثنتي عشرة سَتُصدّق وتحدث مشكلة وفتنة كبيرة، وفي نفس الوقت يكون له الحق. كيف ذلك؟ سيقتل الشاب عمه ويقول أن الذي قتله هم الذين في القرية المجاورة له، فيُصدق الناس كلامه؛ وبالتالي يستطيع أن يرث عمه ويتزوج ابنة عمه، ويأخذ دية عمه من القرية الأخرى، فيكسب من كل مكان. ولكنه غير عاقل؛ لأنه سيتسبب في فتنة طائفية لسيدنا موسى وأيضًا في حرب وصراع داخلي بين الطائفتين، كان سيدنا موسى يفصل الأسباط عن بعضهم بعضًا، فكل سبط يأخذ رزقه؛ لأنهم إذا احتكوا بعضهم ببعض ستحدث حرب أهلية ربما يموت فيها الناس. يوجد الآن الكثير من الشباب الطائش الذين لا يفهمون الدين، ويقومون بعمل فتن طائفية بين مسيحين ومسلمين. وتكون النتيجة أزمة كبيرة نُعاني منها، ويتنازع فيها الكبار، وتسيل فيها الدماء بسبب تهور وطيش شاب عنصري.

كانت شريعة موسى في ذلك الوقت في حال وجود جثة يجهل قاتلها تحمّل القرية القريبة منها المسئولية، وأراد الشاب أن يقتل عمه، ويضع جثته عند القرية المجاورة له، وشريعة موسى تقول: إذا قُتل شخص، ولم يُستدل على القاتل، فليأتِ من هذه القبيلة خمسون شخصًا من المؤمنين من كبراء القرية ويقولوا من الذي قتله، فإذا لم يعرفوا من الذي قتله، يُقسِمون بالله أن السبط الخاص بهم لم يقتلوه، فإذا أقسموا باليمين لا يُقتل منهم أحد، ولكن يدفعون الدية لأهل القتيل.

تنفيذ الخطة:

ذهب الشاب إلى عمه، وقال له: أريد أن أبدأ تجارة مع سبط آخر في قرية أخرى، ولكن هذه التجارة لن يوافقوا عليها لأني مازلت صغيرًا، فهل من الممكن أن تأتي معي إلى هذه القرية، وتقول لهم أنك عمي كي تساعدني على أن أحصل على المال؟ فوافق العم وذهب معه إلى القرية، وعندما اقتربوا من القرية، وتأكد الشاب من خلو الطريق قتل عمه، وأسرع إلي قريته كأن لم يحدث شيء، وانتشر الخبر أن رجلًا قد قُتل، فصاح وبكى الشاب، وقال: قُتل عمي، والذي قتله عنصري من هذا السبط، وبدأ الشاب يستعين بالسبط الخاص به، ومشكلة العنصرية لها تاريخ قديم مع بني إسرائيل بينهم وبين بعض على عكس تمامًا المهاجرين والأنصار، وكذلك الأوس والخزرج الذين استطاعوا أن يندمجوا معًا. فبدأ يحدث صراع بينهم. وكادوا أن يقتتلوا، والشاب وافق على ذلك؛ لأنه يريد أن يأخذ ديته، فقال العقلاء منهم  لابد أن نذهب إلى موسى ليحكم بيننا، وذهبوا بالفعل إلى سيدنا موسى.

حيرة سيدنا موسى تجاه القاتل:

وبدأ سيدنا موسى يبحث عن أدلة، ولكنه لم يتمكن من الوصول إلى دليل لمعرفة القاتل، فما الحل وهو يرى بوادر فتنة طائفية ستحدث؟ وإذا بالأمر من سيدنا جبريل لموسى أن يذبحوا بقرة. لماذا يذبحون بقرة؟! وما علاقة ذبح البقرة بهذه القصة؟! فبعد أن تذبحوا البقرة، خذوا جزءًا منها بعد ذبحها، واضربوا الميت بهذا الجزء، فيُقوم الميت ويقول لكم من الذي قتله ثم يعود للموت مرة أخرى، ما هذه الحكمة؟! وما الهدف من قصة البقرة؟!

هدف قصة البقرة:

تقول الآية: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} (البقرة: 72) فإذا حدث صراع وخلاف يصل إلى أشدّه {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (البقرة: 73) لماذا قصة البقرة، وكان من الممكن أن يقول سيدنا جبريل لسيدنا موسى من القاتل وتنتهي القصة؟! لأن بني إسرائيل لديهم أخطاء كثيرة، ولديهم مشاكل في العقيدة؛ فلديهم ضعف إيماني باليوم الآخر والبعث بعد الموت. جاء سيدنا جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال له: “يا محمد، أخبرني عن الإيمان”، فقال سيدنا محمد: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره”. فبني إسرائيل لديهم مشاكل في جميع هذه النقط؛ لأنهم يؤمنون بالماديات، فيقولون مثلًا: اجعل لنا إلهًا، أرنا الله جهرةً، ولن يرغبوا في سماع كلام غيبي. فما أحسن أمة سيدنا محمد التي وصفت في أول آية: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ…} (البقرة: 3) فيوجد 99,9% من أمة سيدنا محمد يؤمنون باليوم الآخر. ولكن بني إسرائيل كان لديهم صعوبة في هذا الأمر.

التعليم بالأحداث:

بدأت الأحداث تزداد، وهم يريدون أن يعرفوا الحل، والحل يأتي ليتعلموا العقيدة. لاحظوا أن طريقة القرآن خطيرة وهي “التعليم بالأحداث”. فنحن نتعلم تعليمًا نظريًا، مثل: احفظ، واسمع، واكتب، لكن المطلوب هو إصلاح بني إسرائيل، وبناء هذه الأمة. ولذلك ستكون الطريقة غير نظرية على الإطلاق، وهي أن تمارس الحياة وتتعلم أثناء ممارستها، والتشويق مهم جدًا في هذه القصة مثل قصة موسى والخضر. يحدث حدث ويريدون أن يعرفوا الحل، فيأتي التعليم من النقطة التي يريدونها، وهذه هي الطريقة الربانية للتعليم، ولأنكم يا بني إسرائيل ماديون خذوا جزءًا من البقرة بعد ذبحها، واضربوا بها الميت، فيقوم، ويقول من الذي قتله، ففي الدرس السابق ضرب سيدنا موسى الحجر بالعصا فانفجرت المياه، وكان بنو إسرائيل ينتظرون المطر من السماء، فالله يُخرج كل شيء من عكسه كي يعلمك أن “لا إله إلا الله”. فيُحي الميت بالميت، ويُخرج المطر من قلب الصخر، ويُحول البحر إلى أرض يمر عليها موسى وأتباعه. فقولوا واشعروا “بلا إله إلا الله”.

لماذا اختار الله “البقرة”:

ولكن لماذا اختار الله البقرة ولم يختار حيوانًا آخر؟ لأنهم كانوا يعبدون العجل قديمًا، وما زالت بقايا العجل في أنفسهم. ولذلك تقول الآية: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} فربما كفوا عن عبادة العجل، ولكن هناك شيئًا من التقدير والرهبة للعجل. فما الحل؟ اذبحوها بأيديكم، فلو كان هذا الأمر بدون داع قوي لم يكن ليفعلوه، ولكنهم  يريدون أن يعرفوا الحل في هذا الوقت لذلك سيذبحونها. أترون كيف يسوق الله الأحداث ليكشف البشر؟! يا أصحاب النفوس السيئة، ستُساق الأحداث كي تُكتشفوا، قد تخدع الناس جزءًا من الوقت، ولكن من المستحيل أن يخدع كل الناس كل الوقت، وإذا خدعت الناس فلا يمكن أن تخدع رب الناس لأنه سيكشفك. كيف يكشفك؟ يجعل الدنيا والأحداث تضيق عليك حتى تُكتشف وتُفضح.

سوء أدب بني إسرائيل:

عندما قال سيدنا موسى لبني إسرائيل: اذبحوا بقرة، واضربوا بها الميت فيقوم. قالوا: }… أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا …} (البقرة: 67)، أرأيتم عدم الأدب مع الأنبياء؟! ولذلك خُتمت السورة {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ…} (البقرة: 74) فقلوبكم قاسية كالحجارة، بل الحجر في وسط الصحراء يُنبت زرعًا، وأنتم قلوبكم قاسية لن تُنبت الخير. فهل قلوبنا قاسية أم لا؟ الله أنزل أمطارًا كثيرة من السماء، ولكنه يحب أن يرى منك قطرة دمعة واحدة. كم مرة بكيت من خشية الله؟ متى سجدت آخر مرة بخشوع؟ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (الأنفال: 2)، هل قلبك مثل الحجارة أم أشد قسوة منها مثل بني إسرائيل؟ فعندما قالوا له: “أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا” قال لهم {… قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (البقرة: 67)، ما أجمل أدب وصبر سيدنا موسى! كان سيدنا محمد على حق عندما قال: “رحم الله أخي موسى، لقد ابتلى أكثر من ذلك فصبر”، فكان يُخفف عن نفسه بهذا. فأراد سيدنا موسى أن يقول لهم أنهم جاهلون، ولكن لم يقل ذلك إلا بطريقة الأدب. يا جماعة، انتقوا الألفاظ  للناس، فهناك للأسف بعض الدعاة يسبون الناس على أخطائهم، ويُصيبون أيضًا دعاة مثلهم ويتهمونهم دون أسباب. يا حبذا لو تعلمنا الأدب من سيدنا موسى.

وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ:

بدأ بنو إسرائيل يُماطلون مماطلة شديدة، فقالوا: ما لونها؟ وما سنها؟ وهل هي كبيرة أو صغيرة؟ ومنذ ذلك الوقت تظهر نفوس بني إسرائيل }وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} (البقرة: 72) فهناك خمسة أنواع من النفوس:

1. بعضهم لن يؤمنوا باليوم الآخر ولن يصدقوا قصة البقرة.

2. وبعضهم لا يرغبون في تنفيذ أوامر الله.

3. لا يستطيع بعضهم أن يذبح بقرة؛ لأنها مُقدّرة ولها هَيبة. لأنهم عبدوها من قبل.

4. وبعضهم متدينون ويؤمنون باليوم الآخر ولا يقدسون البقرة، ولكن لديهم مشكلة في أنفسهم ألا وهي “التشدد”. فيُماطلون على شكل البقرة كي يعرفوا أمر الله بالتفصيل. على الرغم أن الله أمرهم أن يذبحوا “بقرة”، ولم يحددها، وقال “بقرة”. يقول رسول الله: (هلك المتنطعون). وهذا الصنف من الناس يوجد كثيرًا.

5. وبعضهم مؤمنون يريدون أن يذبحوا البقرة مثل ما أمرهم الله. يا جماعة، لم يكن بنو إسرائيل قطعة واحدة، فمنهم الفاسقون والجاحدون والذي في عقيدته شك وأيضًا المؤمنون.

قصة البقرة مع بني إسرائيل:

سنفهم الآن ولأول مرة لماذا سُميت “سورة البقرة” بالبقرة؟ {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (البقرة: 67) وانظر إلى المماطلة والجدل {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ} (البقرة: 68) فهي ليست عجوزًا أو بكرًا. {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} (البقرة: 69)، لاحظوا أنها مواصفات بقرة الابن الصالح الذي ذكرناه في بداية القصة، والذي كان يريد وزنها ذهبًا. فبنو إسرائيل لا يريدون أن يذبحوا أي بقرة ولو بأموال قليلة؛ لأنهم لم يصدقوا هذا الكلام، فكما شددّتم سنشددّ عليكم وستدفعون وزنها ذهبًا، لاحظوا أحداث القصة في القرآن وكيف يُربي الله الناس بالأحداث. فما معني كلمة “رب”؟ الرب الذي يُربي عباده، مثل الأب الذي يُربي ابنه أحيانًا بالشدة، وأحيانًا بالتعليم، وأحيانًا بالعطاء، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يُربي البشرية. فإذا الله عاقبك أو أعطاك، فاعلم أنه الرب الذي يُربيك. {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ} (الناس:1-3).

فقال بنو إسرائيل: {قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} (البقرة:70) أرأيتم المماطلة؟، هذه صفة “المماطلة المستمرة” في بني إسرائيل. يا جماعة، عندما يوسع الله عليكم، لا تضيقوا على أنفسكم، ولا تسألوا أسئلة كثيرة في الدين حتى لا يضيقها الله عليكم. فقال الله تعالى: {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ

يَفْعَلُونَ} (البقرة: 71)، فإنها بقرة لا تعمل في الزراعة، ولا يوجد فيها أي خدش أو علامة. فبحثوا ولم يجدوا إلا بقرة الابن الصالح الوفي والبار لوالده، وهكذا تُساق الأحداث، لينتصر الحق ويُكتشف الشاب الظالم الذي قتل عمه.

أخطاء بني إسرائيل في هذه القصة:

1. حادثة الجبل.

2. المماطلة.

3. التشدد في الدين.

4. المادية الشديدة.

5. ضعف الإيمان باليوم الآخر.

6. سوء الأدب مع الأنبياء.

7. بقايا عقائد وثنية قديمة.

التيسير وليس التعقيد:

فذهب بنو إسرائيل إلى الابن الصالح، وقد بلغ الآن الابن وأصبح شابًا يستطيع أن يبيع البقرة مثل ما قال له والده. فقال بنو إسرائيل له: نريد أن نشتريها منك. فقال: لا أبيعها إلا بوزنها ذهبًا. فذهبوا إلى سيدنا موسى، وقالوا: إنه يريد أن يبيعها بوزنها ذهبًا. فقال لهم: افعلوا ما يشاء، ونفذوا أمر الله. إياك والتشدد في الدين! فما خُير رسول الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. فسنة نبينا التيسير وليس التعقيد. فالمفتي الحقيقي هو الذي يجد للناس الرخص؛ فيبين لهم الحلال ولا يحرم كل شيء. يقول الإمام مالك: “المفتي الحق هو الذي يجد للناس المخرج لتكون حلالًا”. فأحيانًا بتعديل خمسة في المائة يتحول الحرام إلى حلال. أذكر شخصًا كان مدرب كرة مياه في نادي من النوادي، وكان الشباب الذين يلعبون كرة المياه من حمام السباحة يخرجون أمام الناس بملابس مياه ضيقة جدًا. فقال لي المدرب: “إن كثيرًا من العلماء حرموا ذلك، فتركت التدريب وصارحت الشباب بذلك، وأوقفت تدريبهم”. فقلت له: “الرياضة تحمي الشباب من المخدرات والتدخين والانحراف”، فقال لي: “ولكن شكل الملابس حرام”، فقلت له: “نعمل تعديل خمسة في المائة”، قال المدرب: “كيف؟” قلت له: “قل لهم عندما تخرجوا من حمام السباحة، ارتدوا ملبسًا آخر على ملبس حمام السباحة حتى لا تصابوا بالبرد، وبالتالي لن يفعلوا ما هو حرام، أليس كذلك؟” فقال لي: “نعم، لا توجد مشكلة في ذلك”.

نطق الميت:

فمن الذي سيدفع وزنها ذهبًا؟ القريتان، فأخذ الغلام وزنها ذهبًا. انتبهوا! فقبل أن يموت الأب قال: اللهم إني أستودعك هذه البقرة. فعندما تستودع شخصًا عزيزًا عليك يسافر، قل له: أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. فالرجل استودع بقرة، فبقيت حتى أخذ ابنه وزنها ذهبًا. وظهرت الآن الآية المعجزة. ذبح بنو إسرائيل البقرة، وأخذوا جزءًا منها وضربوا به الميت، فقام الميت. فقال موسى له: من قتلك؟ قال: قتلني ابن أخي ليأخذ مالي، ويتزوج ابنتي. ثم سقط ميتًا. يا لها من معجزة عظيمة! فكم مرة في القرآن أحيا الله الموتى؟ كثير من القصص مثل: أهل الكهف وقصة عُزير. ويوجد في كل دين من الأديان قصة بأن الله أحيا ناسًا بعد موتهم. فاجعل يقينك بالله كبير.

إياك وقسوة القلب:

انتهت قصة البقرة في حوالي سبع أو ثمان آيات، ولكن خُتمت القصة {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ…} (البقرة: 74)، بعد كل ما فعل الله لهم مازالت قلوبهم قاسية. يا جماعة، هل تذكرون ماذا فعل الله لكم من نعم عديدة؟ فكيف كان حالك من قبل، وحالك الآن؟ أذكر في وقت من الأوقات كنت في زيارة لبعض أصدقائي لم أرهم منذ عشرة سنوات، فكان كل شخص يتحدث عما فعل الله له في العشرة سنوات الماضية. فيذكر أحدهم أنه أنجب أطفالًا، ويقول الثاني أنه فتح شركة كبيرة، والثالث أصبح محاميًا كبيرًا، والرابع اشترى سيارة وغيرها من النعم العديدة، فهل تنسون هذه النعم؟ يا جماعة، ذُكرت قصة بني إسرائيل في القرآن في “سورة البقرة” كي نستفيد منها؛ لأن فيها المشاكل النفسية الموجودة في بني إسرائيل، كأن الله يقول لنا يا أمة سيدنا محمد، لا تقعوا في هذه الأخطاء، وأشدها قسوة القلب. فالله سبحانه وتعالى يحب أن يري منك دمعة وتذلل ومجاهدة معصية وسجود بقلبك حتى لا تقسُ قلوبكم، فالقسوة تأتي من كثرة الذنوب. وكيف نتوب؟ بالعبادة وترك المعصية.

وأخيرًا وليس آخرًا ما قيمة درس اليوم؟ أنا لن أذكر القيمة، ولكن ادخلوا على الموقع www.amrkhaled.net. واكتبوا ما هي القيمة.

P1 P2P3

P1P2P3

التصنيفات:قصص القران (2) الوسوم:

قصص القران 2- الحلقة الحادية والعشرون

سبتمبر 12, 2009 أضف تعليقاً

( الحلقة الحادية والعشرون )

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حياة البشر صعبة وليست بالسهلة وفيها من المشاكل الكثير والكثير، فهناك من طُلقت وليس بها عيب وأخرى مستقرة، وهناك من لم تنجب بينما أخرى بعدما أنجبت طفلا واثنين تركتهما وتنازلت عنهما، وربما تجد أحد الخيرين يصاب بمرض عضال ويعاني من الآلام الشديدة وآخر عاصيا فاجرا مستمتعا بالحياة، وربما تجد فلاحا بسيطا لديه أولاد كثيرون ولديه بقرة واحدة تموت بينما لدى جاره تسع وتسعون بقرة وليس له ولد واحد، وربما تجد أحدهم وقد فقد ابنه الوحيد ويظل يبكي عمره كله عليه وآخر لديه من الأولاد الكثير ولا يشعر بهم، تُرى ما الحكمة وما السر؟

قيمة اليوم.. الإيمان والرضا بقدر الله:

خرج سيدنا موسى مع الخضر في ثلاث رحلات، تعلم من خلالها قدر الله في كونه، وتعلم كيف أن قدر الله كله خير رغم التعب والمشقة! كأن الخضر سيعلم سيدنا موسى ركن الإيمان بقضاء وقدر الله. ثلاث رحلات الظاهر فيها أنها قمة الشر بينما هي قمة الخير، وكأن الخضر في القصة يمثل ويجسد قدر الله.

فأركان الإيمان كما نعلم هي أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ولا يتم إيمانك إلا برضاك عن قدر الله، ولن يكتمل هذا الرضا إلا إذا فهمت ثلاثة من أسماء الله الحسنى واطمأننت بها وعشت بها، وهي:

اسم الله (العليم)، فالله يعلم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن ولو كان كيف يكون؟

اسم الله (الحكيم)، لا تتحرك حبة رمل من مكانها إلا لحكمة من الله تعالى الحكيم.

اسم الله (الرحيم)، فالله تعالى رحيم لا يريد سوى الخير لعباده.

يقول ابن القيم: “الرضا باب الله الأعظم ومستراح العابدين وجنة الدنيا”.

لقد توفي للنبي صلى الله عليه وسلم سبعة أولاد على مدار عمره، أولاد وبنات، كبار وصغار، آخرهم ابنه إبراهيم الذي بكى النبي صلى الله عليه وسلم يوم وفاته ورفع يديه إلى السماء وقال: “إن العين لتدمع والقلب ليحزن وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا”.

ولما أسلم العباس بن عبد المطلب علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ولم يَعرف أحد سواه، فوقف يوم غزوة بدر وقال لصحابته: “من لقي منكم العباس بن عبد المطلب فلا يقتله”. فيخرج أحد الصحابة ويقول: “أنقتل آباءنا وإخواننا ونترك العباس لأنه عم النبي؟ والله لو لقيته لأقتله” فيتأثر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: “يا عمر أيقتل عم النبي صلى الله عليه وسلم؟” ما أريد الوصول إليه هو أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو بشر لديه معلومة وفيما طلبه حكمة وفي الوقت نفسه يريد الخير، فبوجوده في جيش قريش سيعمل على تثبيطهم كي لا يدخلوا المعركة، فلما عرف الصحابي الحقيقة ظل يستغفر ويقول والله لا أدري كيف أستغفر عنها؟ هذا في حياة البشر فما بالك برب العالمين سبحانه وتعالى.

الرحلة الأولى.. رحلة بحرية:

انطلق الخضر وسيدنا موسى في رحلتهما الأولى، وبينما هم وقوفا على شاطئ البحر أشار الخضر لسفينة فعرفه البحارة الموجودون عليها ووقفوا له [فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ…] {الكهف:٧١} ويصفهم القرآن بأنهم مساكين [أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ…] {الكهف:٧۹} وكان من ورائهم ملك كلما مرت سفينة سليمة يغتصبها ويأخذها لنفسه، فركب الخضر السفينة ومعه سيدنا موسى، ورغم فقر هؤلاء البحارة إلا أنهم رفضوا أن يأخذوا منهما أجرًا، وما لبث الخضر بعد ركوبه السفينة حتى نزل إلى قاعها وقام بكسر لوح من الخشب أسفلها فخُرقت وبدأت المياه تتسرب إليها، وإذا بسيدنا موسى يتعجب أيما تعجب أفبعد أن وافق البحارة المساكين على اصطحابنا، وبعد أن رفضوا أخذ الأجرة منا نخرق لهم سفينتهم التي يقتاتون منها؟! وقال للخضر وهو غاضب [… أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا] {الكهف: ٧١} فذكره الخضر باتفاقهما قبل بدء الرحلة [قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا] {الكهف:٧۲} فقال له سيدنا موسى [قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا] {الكهف:٧۳} ثم نزلا من السفينة.

الرحلة الثانية.. رحلة برية:

بعد ذلك سارا على شاطئ البحر حتى وصلا إلى مجموعة من الفتيان لم يبلغوا الحُلُم، ظل الخضر يبحث فيهم عن فتى بعينه حتى وجده، ثم صنع شيئًا رهيبًا [فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ…] {الكهف:٧٤} ويتعجب سيدنا موسى مرة أخرى من فعلته ويقول له غاضبًا [… قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا] {الكهف:٧٤} أما الخضر فلم يتحدث أو يبرر ما فعل، مثل القدر الذي عادة ما يكون صامتًا فيما ترى من أحداث ولا تفهمها، ثم قال لسيدنا موسى [قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا] {الكهف:٧٥} فرد عليه سيدنا موسى وقال له [قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا] {الكهف:٧٦}.

الرحلة الثالثة.. رحلة ريفية:

انطلق الخضر ومعه سيدنا موسى وقد اشتد بهما الجوع حتى وصلا إلى قرية أهلها ميسورو الحال، فطلبا منهم أن يضيفوهما فأبوْا ذلك؛ لبخلهم [فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا…] {الكهف:٧٧} وبينما يسيران وفي الوقت نفسه جائعين إذا بالخضر يبحث عن شيء ما في جدار بيوت أهل هذه القرية، حتى وجد جدارا لأحد البيوت سينهار فأقامه [… فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ…] {الكهف:٧٧} ولم يفهم سيدنا موسى هذه التناقضات، أتخرق السفينة لمن ضيفونا ومن لم يفعلوا نقيم لهم جدارًا كاد أن ينقض؟! وقال للخضر [… قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا] {الكهف:٧٧} فرد عليه الخضر وقال له [قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا] {الكهف:٧٨}

لعله خيـــر:

إن قصة موسى والخضر تذكرني بقصة لطيفة جدا اسمها (لعله خير)، حيث يُحكى أنه في قديم الزمان كان هناك وزير لملك على مملكة، كلما حدثت مصيبة في المملكة يقول الوزير: لعله خير. ذات مرة أصيب الملك في رحلة صيد وقُطع إصبعه، فقال له الوزير: لعله خير، فغضب الملك وأمر بسجنه، فنظر الوزير إلى الملك وقال: لعله خير، ثم ذهب الملك في رحلة صيد مرة أخرى فرآه مجموعة من الوثنيين وأخذوه أسيرًا؛ كي يقدموه كقربان إلى آلهتهم، ولكنهم ما إن وجدوا أن إصبعه مقطوعا تركوه؛ لأنه صار بالنسبة لهم قربان معطوبا وليس كاملا، فرجع الملك إلى مملكته وأخرج وزيره من السجن وأخبره أنه فهم لماذا قال عندما قطع إصبعه لعله خير؟ ولكن ما لم يفهمه هو لماذا قال لعله خير عندما حبسه؟ فأخبره الوزير أنه لولا حبسه إياه لتم أسره معه وقدم هو كقربان.

لقد تعودنا رؤية القدر حتى هذه اللقطة في قصص موجودة في حياتنا مثل القصص الثلاثة السابقة، وكأن الخضر يمثل هنا القدر وها هو ذا سينبئنا بنهايات هذه القصص؛ لنرى كيف أن نهايتها كلها خير وليست كما تبدو في الظاهر: قصتان شر والثالثة خير في غير محله!

أَمَّا السَّفِينَةُ:

[أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا] {الكهف:٧۹} قام الخضر بصنع عيب في السفينة ولم يقم بإغراقها؛ فلقد كان من ورائهم ملك يراقب كل السفن ليأخذ كل سفينة سليمة غصبًا، فكان هذا الخرق والعيب الصغير السبب في نجاة هذه السفينة من مصيبة أكبر، ولو لم يكن الخضر تدخل بصنعه لهذا العيب لكان الملك أخذها لنفسه وبالتالي يفقد البحارة مورد رزقهم، ومن يدري لعل أحد البحارة كان ليواجه هذا الملك ويقول له إنه ظالم فيأخذه الملك ويقتله وييتم أولاده، فكان القدر رحيما بهم.

وَأَمَّا الغُلَامُ:

[وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا] {الكهف:٨۰} قتل الخضر الغلام لأنه لو عاش وكبر فإنه لن يكون عاديا بل طاغية كافرا، وكان ليتسبب في إرهاق والديه المؤمنين، وهنا التصوير القرآني الرائع الذي وضع الـ (طغيان) قبل الـ (الكفر)؛ لأن الكفر يكون على النفس فقط أما الطغيان فعلى كل من حول هذا الغلام، فمن رحمة الله سبحانه وتعالى بأبويه أن يموت هذا الغلام قبل أن يبلغ الحُلُم، ومن يدري ربما كُتب للوالدين بصبرهما منزلة عالية في الجنة لو عاشا عبيدًا لله طيلة حياتهما ما كانا بالغيها، ومن رحمة الله أيضًا بهذا الغلام أن يموت وهو في هذه السن؛ فلو عاش حتى كبر لكان من المعذبين في النار الآن بطغيانه وكفره، ولربما كان موته عظة لكل صغار السن في مثل عمره أن الموت قريب منهم وليس بعيدًا عنهم لصغر سنهم فيفيقوا ويتقوا الله، وربما كان موته في هذه السن ليظل أبواه يدعوان له بالرحمة والمغفرة فترتفع منزلته في الجنة ثم يدخل والداه إلى هذه المنزلة العالية من الجنة، [فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا] {الكهف:٨١} أترون كيف أن الأمر كله في النهاية رحمة؟

بهذه القصة معنى خطير للغاية للشباب، احذروا يا شباب من عقوق الوالدين والطغيان، احذروا أن يزيلك الله تعالى من الدنيا رحمة بأبيك وأمك.

وَأَمَّا الجِدَارُ:

[وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا] {الكهف:٨۲} دفن الأب الصالح الكنز تحت الجدار خوفًا من أهل القرية البخلاء واستيلائهم على أموال أولاده بعد موته، وفي أثناء مرور الخضر وجد الجدار وكأنه يريد أن ينقض ويتهدم وفي الوقت نفسه لا يزال الولدان صغيرين بعد موت أبيهما، فأقام الجدار حتى لا يجدا الكنز وهما صغيران فيؤخذ منهما فيظلا فقيرين بعدما يكبران ويشتد عودهما.

إلى أخواتي اللاتي تأخر زواجهن لا أحد يعلم كم الخير الذي يدخره الله لكِ! وأنت أيها الأخ الكريم الذي تتأخر الوظيفة التي تريدها ولا تأتيك، لا تخف على رزقك ورزق أولادك فأنت لا تدري ما هو مُدخر لك من رب العالمين، وليس معنى هذا أن تتواكل بل اسع وتحرك واعمل جاهدًا وفي الوقت نفسه ارض بقضاء الله.

ارض بقضاء الله تعش سعيدا:

قس على ذلك ما يحدث في حياتك، هل تذكر المصيبة الفلانية؟ هل تذكر إلى أي درجة كنت حزينا ومتألما؟ لعلها كانت هي الحامية من مصيبة أكبر كنت لتتعرض لها، أو لعلها كانت هي كل الخير وأنت لا تدري. لولا أن أخوة يوسف عليه السلام ألقوه في البئر لم تكن مصر لتنجو من المجاعة، ولو لم يُترك سيدنا إسماعيل وأمه في الصحراء وظل يبكي لم يكن ماء زمزم الذي نشرب منه حتى الآن ليخرج، ولولا فداء سيدنا إسماعيل ساعة حادثة الذبح لم نكن لنضحي في عيد الأضحى بالأضحيات، ولن يطعم ملايين الفقراء حتى يوم القيامة من لحوم الأضاحي، ولولا حروب الردة لم يكن المسلمون ليتدربوا لفتح فارس والروم. يا جماعة، ارضوا بقضاء الله، ارضوا حتى تعيشوا سعداء، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من قال حين يصبح ويمسي رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وجب على الله أن يرضيه في ذلك اليوم”. كذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من قال حين يسمع الآذان رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا غُفر له”. وكأن المراد أن نكثر من ترديد كلمة الرضا.

ذات يوم، قابل سيدنا عمر بن الخطاب رجلًا في طريقه فسأله: “كيف أصبحت؟” فقال الرجل: “بخير يا أمير المؤمنين”. فأعادها عليه سيدنا عمر مرة أخرى فيجيبه الرجل بمثل ذلك، فيعيد سيدنا عمر السؤال للمرة الثالثة فيرد عليه الرجل ويقول: “أصبحت والحمد لله في رضا يا أمير المؤمنين”. فقال سيدنا عمر: “الحمد لله هذا ما أردت”.

معنى الرضــا:

هل تعلمون ما معنى الـ (رضا)؟ الرضا هو ألا تتهمه في قضاء قضاه.

P1P2P3

P1P2P3

التصنيفات:قصص القران (2) الوسوم:
تابع

Get every new post delivered to your Inbox.